الصفحة 57 من 439

إذًا علة بعث الرسل وإرسال الرسل هو كونهم مبشرين ومنذرين، هذا هو الأصل فيه، ويلزم من ذلك تذكريهم بالميثاق الأول، لأنهم إذا جاءوا بدعوة الناس إلى التوحيد، وهي شهادة أن لا إله إلا الله، حينئذٍ نقول: هذا هو عين الميثاق الأول، فحصل به التذكير كما مر معنا بيانه، إذًا (لِكَي) اللام لام كي، حرف تعليل، وكي مصدرية، فصل بينها وبين مدخولها بالظرف، أين الظرف؟ (بِذَا العَهدِ) يسمى ظرفًا عند النحاة، يعني: (بِذَا العَهدِ) . يسمى جارًا ومجرورًا، وهذا هو الشائع، ويسمى كذلك ظرفًا، (لِكَي) (يُذَكِّرُوهُم) هذا الأصل، (يُذَكِّرُوهُم) بذا العهد، إذًا فصل بين كي وبين مدخولها الفعل بالجار والمجرور، وفيه خلاف بين النحاة، (بِذَا العَهدِ) ذا اسم إشارة، والجار والمجرور متعلق بقوله: (يُذَكِّرُوهُم) . والعهد هذا عطف بيان، أو نعت، أو بدل، والمراد به الميثاق الأول، إذًا (لِكَي) (يُذَكِّرُوهُم) بذا العهد، يعني بهذا العهد، وهذه مستنبطة، يعني علة مستنبطة وليست منصوص عليها، وإنما الذي جاء النص به {رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] ، ولا مانع أن يزاد علة قد دل عليها الدليل وهي متضمنة لما سبق، إذًا (يُذَكِّرُوهُم) المراد به هنا ما دل عليه النص وهو كونهم مبشرين ومنذرين بماذا؟ مبشرين لمن آمن بهم وصدقهم، وهم قد جاءوا بماذا؟ جاءوا بالتوحيد، والتوحيد هو الذي أخذه الله عز وجل حين أخرجهم من ظهر أبيهم آدم، وهم لا يتذكرون هذا الميثاق، حينئذٍ حصل التذكير، فهي علة لازمة، وإن لم يرد فيها نص نحتاج إلى أن ننص عليها لكونها متضمنةً لما سبق، (يُذَكِّرُوهُم) حذف النون هنا للناصب، والأصل يُذَكِّرونَهُم، وهي نون الرافع حُذفت للناصب وهو كي، أي لتذكيرهم إياهم، لأن كي هنا ليست ناصبة بنفسها، وإنما بأن مضمرة وجوبًا بعدها، فحينئذٍ أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر، أي لكي يذكروهم، أي لتذكيرهم إياهم، تشديدًا له، وإقامة لحجة الله البالغة عليهم، والذكر تارةً يقال لحضور الشيء القلبَ، أو القول، ولذلك قيل: الذكر الذكران: ذكرٌ بالقلب، وذكرٌ باللسان. وكل واحد منهما ضربان: ذكرٌ عن نسيانٍ، وذكرٌ لا عن نسيان، بل عن إدامة الحفظ، يعني: يكون حافظًا ثم ينسى، تذكر ما حفظه سابقًا، وليس المراد هنا، أو ذكر يكون عن نسيان، يعني: تطاول العهد بذلك المعلوم فنسيه فجاء التذكير، وهذا المراد هنا في هذا الموضع، {رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} جاءوا بالدعوة للتوحيد، فدل ذلك على أن الناس قد نسوا ذلك الميثاق واحتاجوا إلى التذكير، إذًا حصل النسيان، ثم جاء التذكير بإرسال الرسل، ولذلك يقال: ذَكَّرْتُهُ كذا، معناه تعيد ذكره، ذَكَّرْتُهُ بكذا، يعني أعدت ذكره عنده، هذا إذا كان الذكر عن النسيان، وهو المراد هنا، إذًا العلة الأولى، أو الحكمة الأولى التي ذكرها الناظم من إرسال الرسل وبعث الرسل، هو تذكير الناس بذلك الميثاق المنسي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت