الميثاق الثالث: هو ما جاءت به الرسل وأنزلت به الكتب تجديدًا للميثاق الأول وتذكيرًا به {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} ، إذًا الحجة على الخلق ودخول أهل النار النَّار ودخول أهل الجنة الجَنة ليس بالميثاق الأول ولا الثاني، لا بالميثاق الأول، ولا بالثاني، وإنما الحجة في ماذا؟ في الميثاق الثالث وهو بعث الرسل، فمن أدرك هذا الميثاق يعني الثالث الرسل وهو باقٍ على فطرته التي هي شاهدةٌ بما ثبت في الميثاق الأول فإنه يقبل ذلك من أول مرة ولا يتوقف، يعني دعوة الرسل إذا واجهة الناس وهم على فطرتهم التي خلقوا عليها آمنوا وسلَّموا دون معارضة فإنه يقبل ذلك دون معارضة، لأنه جاء موافقًا لما في فطرته وما جبله الله عليه فيزداد بذلك يقينه ويقوى عليه فلا يتلعثم ولا يتردد هذا أولًا، ومن أدركه وقد تغيرت فطرته عما جبله الله عليه من الإقرار بما ثبت في الميثاق الأول بأن كانت اجتالته الشياطين عن دينه هَوَّدَهُ أبواه أو نَصَّرَاه أو مَجَّسَاه فهذا إن تداركه الله تعالى برحمته فرجع إلى فطرته وصدق بما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب نفعه الميثاق الأول والثاني، إذًا الرسل قد تأتي إلى أقوام باقين على فطرتهم حينئذٍ لا معارضة ولا جدال ولا تكذيب، وقد يأتي إلى أقوام قد فسدت الفطرة عندهم ونشئوا على الكفر والشرك حينئذٍ إما أن يعارض وإما أن لا يعارض، فإن لم يعارض فهو رحمة الله تعالى به فيُسلِّم بما جاءت به الرسل، وإن كذَّب بهذا الميثاق كان مُكَذِّبًا بالأول فلم ينفعه إقراره به يوم أخذه الله عليه حيث قال: {بَلَى} . جوابًا لقوله تعالى: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} . فقامت عليه حجة الله تعالى وغلبة عليه الشقوة وحقت عليه العذاب {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج: 18] ، ومن لم يدرك هذا الميثاق، يعني الرسل، إذًا من أدرك ميثاق الرسل هو الذي يعتبر حجةً على الخلق، من لم يدركه يعني ما يُسمَّى بماذا؟ بأهل الفترة، أو كان صغيرًا كمن مات على صغره دون أن يبلغ، ومن لم يدرك هذا الميثاق بأن مات صغيرًا قبل التكليف مات على الميثاق الأول على الفطرة، فإن كان من أولاد المسلمين فهم تبع لآبائهم فهم مع آبائهم، وإن كان من أولاد المشركين فالله أعلم بما كان عاملًا لو أدركه كما في الصحيحين، يعني من مات صغيرًا ولم يُدرك الرسل حينئذٍ فيه تفصيل:
-إن كان من أولاد المسلمين فهو مع آبائه في الجنة إن دخلوا الجنة وإلا هو يدخل دون آبائهم بدَّلُوا وغَيَّرُوا، أو عذبوا ثم دخلوا الجنة.