الصفحة 47 من 439

فالجواب: أن المكذبين من المشركين يكذبون بجميع ما جاءتهم به الرسل من هذا وغيره، وهذا جُعل حجةً مستقلةً عليهم فدل على أنه الفطرة التي فُطروا عليها من الإقرار بالتوحيد، حتى لو حملوا الآية على الإقرار بالتوحيد وهو الفطرة، الفطرة [ليست] لا تقوم بها الحجة على الخلق، وإنما الحجة تقوم بماذا؟ بالرسل {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] إذًا لم تنقطع حجة الخلق إلا بإرسال الرسل، قالوا: بأن هذا الإشهاد الذي هو الميثاق الأول كيف تحصل به الحجة؟ نقول: أنتم حملتم الآية على الفطرة وهي كذلك لا يحصل بها الحجة. ولهذا قال تعالى: {أَنْ تَقُولُوا} أي لئلا تقولوا {يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} أي عن التوحيد {أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آَبَاؤُنَا} ... الآية انتهى من تفسيره ابن كثير مختصرًا.

إذًا ثَمَّ قولان في تفسير هذه الآية وفي هذا العهد الذي أخذه الله تعالى على آدم وذريته، أنه عهد حقيقي، مسح الله تعالى ظهر فأخرج ذريته وهذا هو الحق والصواب وهو الذي دلت عليه النصوص.

القول الثاني: أنه الفطرة وهو قول مرجوح.

قلت: [والأصح] والأول أصح لثبوت التفسير مرفوعًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ فيه إخراج ومُخْرَج منه، وكذلك نطقوا لأنه قالوا: {قَالُوا بَلَى} يعني قالوا بألسنتهم هذا الأصل فيه القول إذا أطلق بلسان العرب إنما يحمل على اللفظ والمعنى معًا، ونطقوا بما استشهدوا عليه وقول الناظم في شرحه ... (( المعارج ) ): ليس بين التفسيرين منافاة ولا مضادة ولا معارضة، فيه نظر، بل هو غلط، كيف لا يكون بينهما منافاة ولا معارضة؟ كيف نجعل الميثاق الثاني الذي هو الفطرة هو عين الأول وداخل في الآية؟ ثم الفطرة هذه مؤهلة للقبول وإتباع الرسل إذ أن الثواب أو العقاب مترتبًا على إرسال الرسل لا على الفطرة وحدها، والرسل قد بُعثوا بتكميل هذه الفطرة وتنميتها وإزالة الشوائب عنها، وتفصيل ما أجمل فيه. إذًا قوله: أنه لا منافاة بين التفسيرين. غلط ليس بصحيح بل الصواب الأول وأن الثاني مناف له، لأنهم نفوا وأن يكون ثَمَّ إخراج، ونفوا أن يكون ثَمَّ نطق منه، حينئذٍ حملوه على أمر اعتباري وليس على حقيقته، وأما المواثيق فلا شك أنها ثابتة المواثيق أربعة وكلها ثابتة بالكتاب والسنة، لكن الذي في النص هنا في الآية المراد به العهد أو الميثاق الأول على الصفة التي ذكرناها وهي الإخراج.

الميثاق الأول الذي أخذه الله تعالى عليهم حين أخرجهم من ظهر أبيهم آدم عليه السلام {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ} في الآية السابقة {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} .. الآيات، وهو الذي قاله جمهور المفسرين رحمه الله تعالى في هذه الآيات وهو نص الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما فلا عدول عنه البتة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت