وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار رضي الله تعالى عنه قال: قال - صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء» . يعني على التوحيد، «فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أَحْلَلْتُ لهم» . إذًا هذان الحديثان يدلان على ماذا؟ على أن الإنسان أو المخلوق الأصل في خلقه أنه خُلِقَ على التوحيد، إذًا لا يحتاج إلى إخراجه من ظهر أبيه آدم والإشهاد، ففسروا الآية بكونه الإشهاد المراد به الميثاق وهو ميثاق الفطرة، أيدوا ذلك ببعض ما في ألفاظ الآية السابقة قالوا: ولهذا قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ} ولم يقل من آدم. وعرفنا الجواب فيما سبق، وقال: {مِنْ ظُهُورِهِمْ} ولم يقل من ظهره. وعرفنا الجواب فيما سبق، {ذُرِّيَّتَهُمْ} ذريته {ذُرِّيَّتَهُمْ} أي جعل نسلهم جيلًا بعد جيل وقرنًا بعد قرن كقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ} [فاطر: 39] . وقال: {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ} [النمل: 62] . وقال تعالى: {كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آَخَرِينَ} [الأنعام: 133] . ثم قال تعالى: {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} أي أوجدهم شاهدين بذلك قائلين له حالًا، هذا تأويل وهذا مجاز، بمعنى أنه أشهدهم، يعني خلقهم على الفطرة على التوحيد، وقد شهدوا به حالًا، يعني لا مقالًا، وإنما بحالهم، قال هنا: أي أوجدهم شاهدين بذلك قائلين له حالًا قال، يعني قائل: والشهادة تكون بالقول وتكون بالفعل. وهنا الشهادة بماذا؟ بالفعل، تكون بالقول كقوله تعالى: {قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا} [الأنعام: 130] . الآية، وتارة تكون حالًا يعني: بالفعل بلسان حاله كقوله تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} [التوبة: 17] . الشهادة هنا بالفعل هم لا يقولون بالكفر، أي: حالهم شاهد عليهم بذلك لا أنهم قائلون ذلك، وكذا قوله تعالى: {وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ} [العاديات: 7] . كما أن السؤال تارة يكون بالمقال وتارةً يكون بالحال كقوله تعالى: {وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} [إبراهيم: 34] . السؤال تارةً يكون بالسؤال باللسان وتارة يكون بالحال، قالوا: ومما يدل على أن المراد بهذا أن جعل هذا الإشهاد حجةً عليهم في الإشراك فلو كان قد وقع هذا كما قال من قال - جاء به نصّ - كما قال من قال لكان كل أحد يذكره ليكون حجةً عليه، فإن قيل: إخبار الرسول - صلى الله عليه وسلم - به كافٍ في وجوده.