الصفحة 44 من 439

وقال الكلبي: ذلك من قول الملائكة وفيه حذف تقديره لما قالت الذرية: {بَلَى} . قال الله عز وجل للملائكة: اشهدوا. قالوا: {شَهِدْنَا} . إذًا ثلاثة أقوال.

من القائل {شَهِدْنَا} ؟ الله عز وجل والملائكة.

القول الثاني: أبناء آدم بعضهم شهدوا على بعض.

القول الثالث: الملائكة فقط.

وكلها محتملة قوله: {أَنْ تَقُولُوا} . يعني وأشهدهم على أنفسهم أن يقولوا، أي: لئلا يقولوا، أو كراهة أن يقولوا، ومن قرأ بالتاء {تَقُولُوا} فتقدير الكلام: أخاطبكم ألست بربكم لئلا تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين. أي عن هذا الميثاق والإقرار، فإن قيل ثَمَّ إشكال، قال رحمه الله تعالى: فإن قيل. وهذا من المجادلة والاعتراض على ما مر، فإن قيل كيف يلزم - يعني: الرب جل وعلا - الحجة واحدًا لا يَذْكُرُ الميثاق. هل أحدًا منكم يذكر أنه أخرج من ظهر أبيه عالم الذر؟ لا، حينئذٍ كيف يلزمه بالحجة وهو لا يذكر؟ نقول: هذا من الاعتراض، الأصل مثل هذه الأشياء لا ترد، لكن لو وردت فالجواب: قد أوضح الله تعالى الدلائل على وحدانيته وصدق رسله فيما أخبروا فمن أنكره كان معاندًا ناقضًا للعهد ولزمته الحجة، يعني أخذ عليهم الميثاق ثم أرسل إليهم الرسل، ولذلك الحجة على الخلق إنما تكون بالرسل لا بالميثاق الأول ولا بالميثاق الثاني وهو الفطرة، وإنما بالرسل، وإذا كان الأمر كذلك فلا اعتراض حينئذٍ، وبنسيانهم وعدم حفظ لا يسقط الاحتجاج بعد إخبار المخبر لصاحب المعجزة وهو الرسول الذي بعثه الله تعالى، قوله: {أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ} . يقول جل وعلا: إنما أخذ الميثاق عليكم لئلا تقولوا أيها المشركون {إِنَّمَا أَشْرَكَ آَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ} ونقضوا العهد، {وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ} أي كنا أتباعًا لهم فاقتدينا بهم فتجعلوا هذا عذرًا لأنفسكم وتقولوا: {أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} أي أفتعذبنا بجناية آبائنا المبطلين، فلا يمكنهم أن يحتجوا بمثل هذا الكلام بعد تذكير الله تعالى بأخذ الميثاق على التوحيد، {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ} أي نبين الآيات ليتدبرها العباد، {وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} من الكفر إلى التوحيد. انتهى مختصرًا من تفسير البغوي رحمه الله تعالى، إذًا:

أَخرَجَ فِيمَا قَد مَضَى مِن ظَهرِ ... آدَمَ ذُرِّيَّتَهُ كَالذَّرِّ

وَأَخَذَ العَهدَ عَلَيهُمْ أَنَّهُ ... لا رَبَّ مَعبودٌ بِحَقٍّ غَيرَهُ

بالنصب الذي قدمناه هو الحق لدلالة الكتاب والسنة على ذلك، أول الكتاب الآية فنحملها على ظاهرها ثم الأحاديث الماضية وكذلك قول الشوكاني رحمه الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت