النفي هو الكفر بالطاغوت، ولذلك جاء التفسير على هذا النحو {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ} [البقرة: 256] ، {يَكْفُرْ} هو ماذا؟ (لا إله) ، {وَيُؤْمِن بِاللهِ} هو (إلا الله) . {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] اجتنوا الطاغوت هو (لا إله) ، {اعْبُدُواْ اللهَ} هو (إلا الله) . إذًا دخل هذا الشرط في ماذا؟ في العلم وهو أحسن وأجود.
وعلامة حب العبد ربه لأن المحبة هذه من أعمال القلوب لكن لا بد لها من علامةٍ ظاهرة تدل عليها - جميع ما يتعلق بالقلب - ولذلك قد يعبر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى - وهذا مما التبس على بعضهم - أن أصل الإيمان في القلب، والأعمال الجوارح فرعٌ. وأراد بالفرع ماذا؟ الفرع اللازم، ليس كل فرعٍ يكون يمكن الاستغناء عنه، فحينئذٍ لَمَّا عَبَّر بأنه أصلٌ وفرع، نقول ماذا؟
مع بقية كلامه الذي قرره في كتاب (( الإيمان الكبير ) )وفي غيره، وقبله السلف، ونحن قد إذا وُجِدَت عبارة شيخ الإسلام أو غيره نحاول أن نجمع بينها وبين مذهب السلف، وإلا مذهب الصحابة واضحٌ بَيِّن، وكذلك القرون المفضلة. حينئذٍ قوله: الإيمان أصله في القلب، وأعمال الجوارح فرع. ليس مراده الفرع الذي يمكن الاستغناء عنه حينئذٍ يكون الجوارح أو أعمال الجوارح ليست داخلة في مسمى الإيمان، وإنما أراد أن عمل الجوارح تثمره إعمال القلوب، فمن أحب وخاف ورجا وتوكل وأناب لا بد أن يظهر ... له شيءٌ على جوارحه، فإن لم يظهر فادِّعَاء وجود هذه الأعمال بالقلب كذبٌ، وهو مجرد دعوى.
إذًا التلازم هنا بين الظاهر والباطن من حيث ماذا؟ من حيث أن أعمال الجوارح فرعٌ، وليس المراد أنها فرع يمكن الاستغناء عنه، وإنما المراد أن أعمال القلوب تُثمر هذه، فمن ادَّعَى وجود الخوف من الله تعالى في قلبه لا بد وأن يظهر على جوارحه، إذ لم يظهر نحن نقول ما يتعلق بالقلب غيب، لكن قد نجزم ولا نأتي هنا نقول أشققت عن قلبه كما هي حجة دائمة تكون على الألسنة، نقول: نعم قد نَشُقُّ عن قلبه بماذا؟ بظاهره، أليس كذلك؟ المنافق، النبي - صلى الله عليه وسلم - وكذلك القرآن بَيَّنُوا علامات المنافقين سواء كان نفاقًا أكبر أو أصغر مع أن أصل النفاق محله القلب، فإذا وُجِدَتِ العلامة دَلَّتْ على وجود النفاق في القلب. فنقول: هذا منافق، لا إشكال فيه. ونقول: هذا ليس بمسلم، يُظهر الإسلام ويبطن الكفر، متى؟ إذا وجدت علامات، كذلك الخوف الرجاء والمحبة هي أعمال قلبية لكنها لا تستقل عن الظاهر، ومن هنا جاء كلام السَّلف في ماذا؟ في تلازم الظاهر والباطن، ملازمة بينهما، إن انتفى أحدهما انتفى الآخر، ومر معنا مرارًا أن الله تعالى في أول سورة البقرة - وهذه من المسائل المهمة التي ينبغي العناية بها - أنه قسم الناس ثلاثة طوائف:
إلى مؤمنين، ومنافقين، وكفار.
ذكر المؤمنين أولًا، وذكر الكفار ثانيًا، ثُمَّ ذكر المنافقين وأَطْنَبَ فيهم، يعني أكثر من الآيات وذكر الصفات التي يَدَّعُونَهَا. المؤمنون والكفار متقابلان، يعني:
المؤمن آمن باطنًا وظاهرًا.
الكافر انتفى عنده الإيمان ظاهرًا وباطنًا.