(مَن قَالَهَا) أي قال هذه اللفظة لفظة الشهادة، والقول إنما يراد به التلفظ باللسان، هذا الأصل فيه، ولا [بد من] لا بد فيه من الإسماع، ... (مُعْتَقِدًا) ، (قَالَهَا مُعْتَقِدًا) أي حال كونه معتقدًا بقلبه، والاعتقاد لا يكون إلا إذا كان جازمًا، وأما الشك والريب والظن الراجح فهذا لا يكفي، فلا بد من الاعتقاد، وإذا كان الظن اعتقاد ولو كان مرجوحًا لكنه ليس هو المراد هنا، وإنما المراد به ماذا؟ الاعتقاد الجازم فلا يكفي الشك، ولا يكفي الريب، ولا يكفي الظن الراجح، فلا بد أن يكون جازمًا بمدلول هذه الكلمة، (مُعْتَقِدًا) هو أي القائل (مُعْتَقِدًا مَعْنَاها) أي معنى هذه الشهادة، إذًا لا بد من الاعتقاد، وهذا ركنٌ في التوحيد ولا يصح توحيده إلا مع الاعتقاد لكن لا يكفي، ولذلك قال: (وَكَانَ عَامِلًا بِمُقْتَضَاهَا) . ... (وَكَانَ) هذه في الأصل تدل على ماذا؟
على وقوع الحدث في الزمن الماضي، لكنه كان ولا يزالُ يعني مدة حياته وبقائه حيًّا لا بد أن يكون معتقدًا لهذا المعنى و (عَامِلًا بِمُقْتَضَاهَا) يعني ما دلت عليه لا إله إلا الله، وكان ذلك القائل لها المعتقد لمعناها مع ذلك عاملًا بمقتضاها على وَفْقِ ما علمه منها وتيقنه، (عَامِلًا بِمُقْتَضَاهَا) أي بمقتضى هذه الكلمة، فإن هذه الكلمة لها مُقْتَضِي وَمُقْتَضَى، الْمُقْتَضِي هو ما يكون في القلب من اعتقاد، والْمُقْتَضَى الذي هو العمل والتحقيق، ولذلك مرّ معنا في كتاب (( التوحيد ) )باب تحقيق التوحيد، وتحقيق التوحيد قالوا: قدرٌ زائد على أصل التوحيد، فعندنا أصل التوحيد وعندنا قدرٌ زائد على التوحيد، أصل التوحيد هو الذي يتميز به المسلم عن الكافر، وأما القدر الزائد فهذا على مرتبتين منه ما هو ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب، فكمال التحقيق يكون بالاستحباب، وكمال التوحيد الواجب يكون باستيفاء الأوامر وترك النواهي.
قال: (في القَوْلِ والفِعْلِ ومَاتَ مُؤمِنًا) . (في القَوْلِ والفِعْلِ) هذا تأكيد لقوله: (عَامِلًا) . لأن العمل يكون بالقلب ويكون بالجوارح، ولا يصح التوحيد إلا إذا جمع إلى الاعتقاد القول باللسان والعمل بالجوارح والأركان، وهذا محل إجماع عند السلف، ولا يكفي أن يعتقد بقلبه ويقول بلسانه، هذا ليس منهج أو مذهب أهل السنة والجماعة، ولذلك قال: (في القَوْلِ والفِعْلِ) . هذا تأكيد لقوله: (وَكَانَ عَامِلًا) . عاملًا في القول والفعل، ثم قال: (ومَاتَ مُؤمِنًا) . أي على ذلك، يعني لا بد من الموافاة هذا شرطٌ في الموافاة، يعني أن يُخْتَمَ له بالتوحيد، فإن بَقِيَ مؤمنًا حتى جاء أجله ثم كفر بالله لا ينفعه ما مضى البتة «إنما الأعمال بالخواتيم» . إذًا ... (ومَاتَ مُؤمِنًا) هذا شرط لا بد منه فـ «إنما الأعمال بالخواتيم» ، قال - صلى الله عليه وسلم: «ما من عبدٍ قال لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة» . قال: (يُبْعَثُ يَوْمَ الْحَشرِ نَاجٍ آمِنَا) . وعرفنا ما في قوله: (نَاجٍ) .