ثم قال:
وأنْزَلَ الْكِتَابَ والتِّبْيَانَا ... مِن أجْلِهِ وَفَرَقَ الْفُرْقَانَا
أي من أجل ماذا؟ من أجل تحقيق توحيد الألوهية، يعني من أجل إفراد الباري جل وعلا بالعبادة، وأن لا يُعْبَدَ إلهٌ سواه جل وعلا، ثم قال:
وَكَلَّفَ الله الرَّسُولَ الْمُجْتَبَى ... قِتَالَ مَن عَنْهُ تَوَلَّى وَأبَى
حَتَّى يَكُونَ الدِّينُ خَالِصًا لَهُ ... سِرًّا وَجَهْرًا دِقَّةُ وَجُلَّهُ
(وَكَلَّفَ الله الرَّسُولَ) كَلَّفَ بمعنى ماذا؟ بمعنى أمر أمرًا عينيًّا، والتكليف هنا أراد به المصنف ماذا؟ الإيجاب، فأوجب الله على الرسل جميعًا ومنهم محمد - صلى الله عليه وسلم - أوجب ماذا؟ أوجب قتال الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» . فإذا قالوها حينئذٍ كَفَّ عنهم بالقتال، (قِتَالَ مَن عَنْهُ تَوَلَّى) امتنع ... (وَأبَى) كذلك (تَوَلَّى) يعني أعرض، (وَأبَى) يعني امتنع.
(حَتَّى يَكُونَ الدِّينُ خَالِصًا لَهُ) لله جل وعلا، وأن لا يُعْبَدَ سواه، ... (سِرًّا وَجَهْرًا) يعني في السِّرِّ وفي الجهر، يحتمل أنهما منصوبان على تمييز، (دِقَّةُ وَجُلَّهُ) جُلَّهُ قال في القاموس: جُلُّ الشيء وجُلالُهُ بضمهما معظمهم. يعني لا فرق بين القليل والكثير، فمن صرف شيئًا من عبادة ما لغير الله تعالى فقد وقع في الشرك الأكبر، فلا فرق بين القليل والكثير.
(وَهَكَذَا أمَّتُهُ قَدْ كُلِّفُوا بذَا) يعني بقتال الكفار أو بقتال من لم يؤمن بالله ويقبل لا إله إلا الله، (وَفي نصِّ الْكِتَابِ وُصِفُوا) يعني وصفهم بأنهم يقاتلون من أجل الله تعالى.
ثم جاء إلى المقصود من هذا الباب بعد التعريف فقال: (وَقَدْ حَوَتْهُ) . أي جمعته، جمعت ماذا؟ جمعت المعنى السابق وهو إفراد
.... ... رَبِّ الْعرْشِ عنْ نَديدِ
أنْ تَعْبُدَ الله إلهًا وَاحِدَا ...
ما الذي دل على هذا المعنى؟ هل وضع الباري جل وعلا كلمةً تدل على هذا المعنى أو لا؟ نعم، وهي كلمة الشهادة، ولذلك قال: (وَقَدْ حَوَتْهُ) . (وَقَدْ حَوَتْهُ) أي جمعته (لَفْظَةُ الشَّهَادَةْ) أي كلمة الشهادة، والشهادة المراد بها هنا لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله أقرُّ واعترف وأعلم وأُخْبِرُ وأقضي وأحكم لا إله إلا الله، ولذلك قال أهل العلم بأن شروط لا إله إلا الله أكثرها مأخوذة من لفظ الشهادة {شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} ... [آل عمران: 18] أي أخبر وأمر ووصَّى وقضى أن لا إله إلا الله (فَهِيَ) أي هذه الشهادة (سَبِيلُ الْفَوْزِ وَالسَّعَادَةْ) يعني في الدنيا والآخرة.
مَن قَالَهَا مُعْتَقِدًا مَعْنَاها ... وَكَانَ عَامِلًا بِمُقْتَضَاهَا
في القَوْلِ والفِعْلِ ومَاتَ مُؤمِنًا ... يُبْعَثُ يَوْمَ الْحَشرِ نَاجٍ آمِنَا