واعلم أن النصوص الواردة في فضل هذه الشهادة كثيرة، وقد استوفى المصنف ما ذكرناه الآن، ويكفيك في فضل لا إله إلا الله إخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها أعلى جميع شعب الإيمان كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «الإيمان بضعٌ وسبعون أو قال بضعٌ وستون شعبة» يعني خصلة «فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبةٌ من الإيمان» . وهذا لفظ مسلمٍ.
فهي سبيل الفوز والسعادة لكنها ليست مطلقةٌ هكذا لفظ، بل هي لها معنى، ولذلك قال:
مَن قَالَهَا مُعْتَقِدًا مَعْنَاها ... وَكَانَ عَامِلًا بِمُقْتَضَاهَا
فكل هذه الفضائل التي مرت معنا في لا إله إلا الله ليس المراد أنه يرددها دون أن يعمل بمقتضاها وأن يعتقد معناها، فإنها لا تنفعه شيئًا البتة ولذلك قال: (مَن قَالَهَا) أي قال: هذه الكلمة حال كونه (مُعْتَقِدًا) أي عالمًا ومتيقنًا معناها الذي دلت عليه نفيًا وإثباتًا، (لا إله) : لا معبود. (إلا الله) : إلا الإله الأحد وهو الله تعالى، ومعتقد اسم فاعل للاعتقاد افتعالٌ من العقد، وهو ربط الشيء يقال: عقد الحبل إذا شدّ بعضه ببعضٍ نقيض حلِّهِ، ومادة عقد في اللغة مدارها على اللزوم والتأكيد والاستيثاق، ولذلك قال تعالى: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ} [المائدة: 89] . يعني كان فيه صميم القلب والعزم، وهذا إنما يكون بقصد القلب وعزمه، وهذا يفارق لغو اليمين اللفظ واحد: والله. لكن الفرق بين عقد اليمين هو أنه يصمم بقلبه ويعزم، وأما لفظ اليمين فهو لفظٌ مجردٌ عن العزم، ولكن إذا وافق الأول قصد القلب وعزمه حينئذٍ نقول: هذه عقد يمينٍ وإذا كان لفظًا مجردًا عن العزم والقصد صارت لغوَ يمين.