وهي كذلك سبيل السعادة، السَّعْدُ والسعادة معاونة الأمور الإلهية للإنسان على فعل الخير، ويضاده الشقاوة، السعادة والشقاوة متقابلان، والسعادة هنا أطلقها الناظم رحمه الله تعالى فتشمل السعادة في الدنيا والسعادة في الآخرة، وهي سبيل الفوز والسعادة في الدارين، أي: طريقهما لا وصول إليها إلا بهذه الكلمة، فهي الكلمة التي أرسل الله بها رسله، وأنزل بها كتبه، ولأجلها خلقت الدنيا والآخرة والجنة والنار، وفي شأنها تكون الشقاوة والسعادة وبها تؤخذ الكتب باليمين أو الشمال، ويَقِلُّ الميزان أو يَخِفّ وبها النجاة من النار بعد الورود، وبعدم التزامها البقاء في النار، وبها أخذ الله الميثاق، وعليها الجزاء والمحاسبة، وعنها السؤال يوم التلاق.
وهي أعظم نعمةٍ أنعم الله عز وجل بها على عباده أن هداهم إليها، ولهذا ذكرها جل وعلا في سورة النحل التي هي سورة النِّعَم، فقدَّمها أولًا قبل كل النعمة، فقال تعالى: {يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَاْ فَاتَّقُونِ} [النحل: 2] ، وهي كلمة الشهادة، ومفتاح دار السعادة، وهي أصل الدين وأساسه، ورأس أمره، وساق شجرته، وعمود فسطاطه، وبقية أركان الدين وفرائضه متفرعةٌ عنها، لأنه لا تصح جميع العبادات إلا بالتوحيد، فإذا دخل الشرك العبادة أبطلها كما يبطل الحدث الطهارة، وجميع الفرائض هذه متشعبةٌ منها مكملاتٌ لها، مقيدةٌ بالتزام معناها والعمل بمقتضاها، وهي العروة الوثقى التي قال الله عز وجل: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا} [البقرة: 256] وهي لا إله إلا الله، قاله سعيد بن جبير والضحاك، وهي العهد الذي ذكر الله عز وجل إذ يقول سبحانه: {لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} [مريم: 87] قال ذلك عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. قال: هو شهادة أن لا إله إلا الله والبراءة من الحول والقوة إلا بالله، وألا يرجو إلا الله عز وجل، وهي الحسنى التي قال الله عز وجل: {فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى* وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} [الليل: 5 - 7] الآيات قاله أبو عبد الرحمن السلمي والضحاك، ورواه عطية ابن عباس، وهي كلمة الحق التي ذكر الله عز وجل إذ يقول: {إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف:86] قال ذلك البغوي.
وهي كلمة التقوى التي ذكر الله عز وجل إذ يقول: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا} [الفتح: 26] روى ذلك ابن جرير وعبد الله بن أحمد والترمذي بأسانيدهم إلى أُبَيّ بن كعبٍ رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وهي القول الثابت الذي ذكر الله عز وجل إذ يقول تعالى: {يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} [إبراهيم: 27] أخرجاه في الصحيحين عن البراء بن عازب رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.