(رُسْلَهُ) هنا جمع المضاف، حينئذٍ يعم، الجمع المضاف يَعُمّ، من صيغ العموم، كما أن المفرد المضاف من صيغ العموم {يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ} [النساء: 11] {أَوْلاَدِكُمْ} هذا أفاد العموم أو لا؟ ... {أَوْلاَدِكُمْ} عَمَّ الذكر والأنثى الصغير والكبير، فحينئذٍ نقول: (رُسْلَهُ) هذا عام. من أولهم إلى آخرهم وعرفنا وجه العموم، (يَدْعُونَ إلَيْهِ) قلنا: جملة حالِيَّة، (يَدْعُونَ إلَيْهِ) أي إلى الإله (أولا) قبل كل أمر، فلم يدعوا إلى شيءٍ قبله، يعني لم يبدءوا بشيءٍ قبل الدعوة إلى التوحيد إلى إفراد الله تعالى بالعباد، وهذا المراد بقوله: (أولا) . يعني أول مرتبة في مقام الدعوة هي الدعوة إلى توحيد الله جل وعلا، فلم يدعوا إلى شيءٍ قبله، فهم أي الرسل وإن اختلفت شرائعهم في تحديد بعض العبادات صفات الصلاة والصوم والحج يختلفون في ذلك، لكن توحيد الباري جل وعلا وإفراده بالعبادة لا يختلفون فيه البتة، فحينئذٍ وإن اختلفت شرائعهم في تحديد بعض العبادات والحلال والحرام، لم يختلفوا في الأصل الذي هو إفراد الله سبحانه بتلك العبادات افترقت أو اتفقت لم يشرك معه فيها غيره، كما قال - صلى الله عليه وسلم: «نحن معاشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد» . أولاد العلات هم الإخوة لأبٍ من أمهات شتى، يجمعهم الأب والأمهات شتى، وقد أخبر الله عز وجل عن اتفاق دعوة رسله، فقال تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13] . وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} ... [الأنبياء: 25] . وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا} ... [النحل: 36] . {فِي كُلِّ أُمَّةٍ} ومعلوم أن (كل) هذه من صيغ العموم، وكذلك قوله فيما سبق {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ} ، {رَّسُولٍ} هذه نكرة في سياق النفي، وزيدت عليها من {رَّسُولٍ} إيش إعرابها هذا؟
مفعولًا به، وجُرّ بـ (من) الزائدة للدلالة على التنصيص في العموم، {وَلَقَدْ بَعَثْنَا} هذا قسم، {فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} ولذلك نقول: أعلى إجماع هو إجماع الرسل في هذه أو في هذا الموضع، الإجماع مراتب إجماع العلماء وهذا واضح بَيِّن، لكن أعلى أنواع الإجماع إجماع الرسل في هذه المسألة لأنه قطعيٌّ من حيث الثبوت، وقطعيٌّ من حيث الدلالة، ولذلك لو قيل لك: هل من إجماع حصل فيه الاتفاق على مسألةٍ ما وكان قطعيَّ الثبوت قطعيَّ الدلالة؟ فقل: إجماع الرسل. لأنه قطعيُّ الدلالة، يعني الطريق الذي ثبت، ولا شك أن الذي أخبرنا مَنْ؟ الله عز وجل في كتابه، إذًا هو قطعيّ الثبوت لأنه متواتر، قطعيّ الدلالة النصوص الدالة على أنهم اتفقوا على معنى لا إله إلا الله، إذًا قطعيّ الدلالة قطعيّ الثبوت، فأعلى إجماع إِجماع الرسل على هذه المسألة.