الصفحة 373 من 439

لأنهم وإن حكا الباري جل وعلا عنهم أنهم مقرون بتوحيد الربوبية لكنه ليس على وجه الكمال، ولذلك وُجِدَ بعض الشرك المتعلِّق بتوحيد الربوبية كالتمائم والرقى وغيرها، هذه ليست متعلقة بتوحيد الإلهية على وجه الخصوص، وإن كانت مستلزمه له لكن ثَمَّ خللٌ في توحيد الربوبية أدَّى إلى عدم التسليم بتوحيد الإلهية، وإلا الأصل أن من آمن بالله تعالى خالقًا مالكًا رازقًا مدبرًا لَزِمَ من ذلك أن يفرده بالعبادة، وإذا وقع الشرك الأكبر في توحيد الإلهية لزم منه وقوع الشرك في ماذا؟ في توحيد الربوبية، فهي متلازمة. ولذلك قال هنا: هذا في الظاهر وإلا فأنواع التوحيد متلازمة، من أشرك غير الله معه في شيءٍ منها فقد أشرك فيما عداه كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه في بيان الشرك.

ومما يقدر ذلك غاية التقدير حديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأبيه حصين قبل إسلامه: «كم تعبد اليوم من إله» ؟ «كم» هذه سؤال عن عدد.

واسأل بكم عن عددٍ

«كم تعبد اليوم من إلهٍ» ؟ قال: سبعة آلهة. قال: ستةً في الأرض وواحد في السماء. {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} [ص: 5] ، هذا يُبَيِّنُ لك هذه الآية، فقال - صلى الله عليه وسلم - له: «فمن تُعِدُّ لرغبتك ورهبتك» ؟ رغبًا ورهبًا من؟ قال: الذي في السماء. إذًا هذه الآلهة إنما هي في مقام التَّشْرِيك، يعني صرف العبادة لغير الله تعالى وإلا حقيقة التوجه إنما هي للباري جل وعلا، ولذلك كان شركهم بالله تعالى في إلهيته في حالة الرخاء، وأما في حالة الشدة فلا، إنما يرجعون إلى الباري جل وعلا، فكانوا في حالة الشدة يُخْلِصُون الدين لله تعالى لعلمهم أنه لا يقدر على كشف ما هم فيه غيره، وأن آلهتهم التي لا تَضُرّ ولا تنفع ولا تستطيع شيئًا من ذلك ينصرفون عنها عند الشدة، كما قال تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 65، 66] . إذًا ثَمَّ فرق بين شرك المتقدمين وشرك المتأخرين، المتقدمون كانوا يُشْرِكُون في الرخاء، وأما في حالة الشدة فكانوا يَلْجَئُون إلى الباري جل وعلا، ولذلك قال: «فمن تُعِدُّ لرغبتك ورهبتك» ؟ قال: الذي في السماء. وأما في الرخاء فيعبد السبعة والآية نصٌّ في ذلك، والمقصود أن الربوبية والإلهية متلازمان، لا ينفك نوعٌ منهما عن الآخر، وأن توحيد الربوبية من حيث الأصل لم ينكره أحدٌ إلا مكابرةً كفرعون ونمرود والثانوية الذين اعتقدوا للوجود خالقين اثنين - تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوًّا كبيرًا -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت