وعُبَّاد الأوثان في القديم والحديث يُقِرُّون بها لله عز وجل ويُقِرُّون بأن أوثانهم التي يَدْعُون من دونه مخلوقة، هذه الأصنام مخلوقة وهؤلاء الأولياء لا تملك لأنفسها ولا لعابديها ضُرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، ولا تسمع ولا تُبْصُرُ ولا تُغْنِي عنهم شيئًا، ويقرون بأن الله تعالى هو المتفرد بالخلق والرَّزق والضُّرِّ والنفع والتقدير والتدبير وأنواع التصرفات ليس إليهم ولا إلى أوثانهم من ذلك شيء، بل هو الخالق وما عداه مخلوق، وهو الرّبّ وما عداه مَرْبُوب. إذًا سَلَّمُوا بتوحيد الربوبية غير أنهم جعلوا له من خلقه شركاء سووهم به في استحقاق العبادة، وأنكروا أن يكون تفرد بها الباري جل وعلا. وقالوا لمن قال لهم قولوا لا إله إلا الله قالوا ماذا؟ {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5] لأنهم فهموا من لا إله إلا الله أن أي معبودٍ سوى الله تعالى فعبادته باطلة، لا إله لا معبود بحقٍّ إلا الله، ما فهموا لا إله موجودٌ إلا الله، وإلا لما خالفوا النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنما فَهِمُوا ماذا؟ فهموا أنه لا إله لا معبود بحقٍ الذي يستحق أن يُعبد دون ما سواه إلا الله عز وجل، فقالوا {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ} كل هذه {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} وهو الله تعالى {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} لذلك فهموا لا إله إلا الله أحسن من فهم المتأخرين ممن يَدَّعِي العلم لها، فألزمهم الله تعالى بما أقروا به من التفرد بالربوبية أن يعملوا بمقتضى ذلك، ويلتزموا لازمه من توحيد الإلهية وأن يكفروا بما اتخذوا من دونه كما أقروا بعجزهم وعدم اتصافهم بشيءٍ يستحقون به العبادة، بل هم أقلُ وأزُّلُ وأحْقَرُ وأعجز عن أن يخلقوا ذبابًا وأن يستنقذوا منه شيئًا سَلَبَهُ، فدَلَّ ذلك على أن هذه الآلهة آلهةٌ باطلة، والشاهد هنا أن الله تعالى ألزمهم بما أقروا به على وجه النقص، يعني أقروا به على وجه النقص لأننا نقول بأن توحيد الربوبية من آمن به على وجه الكمال استلزم توحيد الإلهية، لكن هؤلاء وُجِدَ فيهم ماذا؟ توحيد الربوبية ولم يوجد توحيد الألوهية، حينئذٍ التلازم؟ هل هو التلازم شرعي أم عقلي؟ نقول: شرعي وعقلي. طيب هنا انفك التلازم، نقول: المراد بالتلازم أن يُوجِدَ توحيد الربوبية على وجه الكمال، وهؤلاء وإن وُجِدَ عندهم شيء من ذلك إلا أنه ليس على وجه الكمال، ولذلك تخلف عنه توحيد الإلهية، فلا يُعْتَرض على القاعدة بما ذُكِر، ومن تدبر هذه الآيات وما في معناها حق التدبر علم يقينًا أن عُبَّاد الأوثان مقرون بتوحيد الربوبية، وشاهدون بتفرد الله بذلك، وأنهم إنما أشركوا بالله تعالى في الإلهية حيث عبدوا معه غيره، هذا في الظاهر هكذا قال الشارح: وإلا فأنواع التوحيد متلازمة، من أشرك غير الله معه في شيءٍ منها فقد أشرك فيما عداه كما سيأتي في ما يتعلق ببحث الشرك. يعني: من أشرك في توحيد الإلهية أشرك في توحيد الربوبية، وحينئذٍ نقول ماذا؟ نقول: هل هذا نقض للقاعدة؟ الجواب: لا.