الصفحة 371 من 439

حينئذٍ {اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ} إذًا عندنا رب لم يخلق وعندنا رب خلق، وهذا ليس مراد هذا باطل، وإنما ليس ثَمَّ ربٌّ إلا وهو خالق جل وعلا، يعني الرب الذي هو الله تعالى، فقوله حينئذٍ {الَّذِي خَلَقَكُمْ} صفة كاشفة أراد بها التعليل للأمر، لماذا {اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ} ؟ لأنه خلقكم، {الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 21، 22] ، يعني أنه المنفرد بتلك الأفعال، وقال تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ} [يونس: 31] . هذه كلها أفعالٌ للباري جل وعلا، فهي متعلقة بتوحيد الربوبية، ولذلك سَلَّمَ بها المخالفون المشركون ... {فَسَيَقُولُونَ اللهُ} يعني الذي له هذه التصرفات هذه التدبيرات هو الله جل وعلا، {فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} [يونس: 31، 32] يعني ما دام أنكم آمنت بهذه الأفعال وسَلَّمْتُم بها للباري جل وعلا أفلا تتقونه بترك الشرك والتسليم له جل وعلا بإفراده بالعبادة، وغير ذلك من الآيات التي يُقَرِّرُ الله تعالى فيها ربوبيتَهُ، ويَمْتَنُّ بِنَعَمِهِ وتَفَرُّدِهِ بأنواع التصرفات، فاحتج الله تعالى بتوحيد الربوبية على وجوب إفراده بالعبادة، لماذا؟ لأن من أقر بأنه لا خالق إلا الله ولا رازق إلا الله ولا مدبر إلا الله ولا محيي ولا مميت ولا نافع ولا ضار إلا الله لَزِمَ من ذلك أن يَتَوَجَّهَ بِقَلْبِهِ وقَالَبِهِ إلى الباري حل وعلا، وأن لا يصرف شيئًا للعبادة لغيره سبحانه وتعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت