الصفحة 370 من 439

إذًا عرَّف الناظم هنا توحيد الألوهية بقوله: [ (أنْ تَعْبُدَ الله إلهًا وَاحِدَا) ، لا] [1] (إفْرادُ رَبِّ الْعرْشِ عنْ نَديدِ) . ثم فسر هذا الإفراد (أنْ تَعْبُدَ الله إلهًا وَاحِدَا) ، والناظم هنا جرى على الجادَّة في تقديم توحيد الإثبات على هذا النوع، لأنه قدّم أولًا توحيد الربوبية، ثم ثَنَّى بتوحيد الألوهية، وإن شئت قُلْ قَدَّم توحيد الإثبات وثَنَّى بتوحيد العلم والقصد والطلب، وذلك لأن توحيد الإثبات الذي هو توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات هو أعظم حجة على توحيد الطلب والقصد، بعدما عرفت حقيقة توحيد الإثبات، وعرفت حقيقة توحيد الألوهية يرد السؤال لماذا يقدم أهل العلم الكلام على توحيد الربوبية على الكلام على توحيد الألوهية؟ نقول: لأن الأول حجةٌ في إثبات الثاني، من سَلَّمَ بالأول لَزِمَهُ أن يُسَلِّمَ بالثاني، لأن توحيد الإثبات هو أعظم حجةٍ على توحيد الطلب والقصد الذي هو توحيد الألوهية، وبه احتج الله تعالى في كتابه في غير موضع على وجوب إفراده تعالى بالإلهية لتلازم التوحيدين، يعني توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية القاعدة في: أن توحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية، وتوحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية فكلها متلازمة، يعني إذا بَطَلَ واحد منها بَطَلَ الآخر، وهذا لا شك فيه، وإذا وُجِدَ توحيد الإلهية على وجه الكمال تضمن ذلك ماذا؟ توحيد الإثبات وتوحيد الربوبية كذلك على وجه الكمال، فحينئذٍ هما متلازمان، فإنه لا يكون إلهًا مستحقًا للعبادة إلا من كان خالقًا رازقًا مالكًا متصرفًا مدبرًا لجميع الأمور حيًّا قيومًا سمعيًا بصيرًا عليمًا حكيمًا موصوفًا بكل كمال منزهًا عن كل نقص، غنيًّا عما سواه، مفتقرًا إليه كل ما عداه فاعلًا مختارًا لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه، ولا يُعْجِزُه شيءٌ في السماوات ولا في الأرض، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا تخفى عليه خافية، وهذه صفات الله عز وجل التي لا تنبغي إلا له، ولا يَشْرَكُهُ فيها غيره، فكذلك إذا آمنت وسَلَّمْتَ بهذه الصفات لا يستحق العبادة إلا هو، كل من آمن بإله على وجه الكمال، يعني أثبت له الصفات على وجه الكمال وأثبت له أفعاله على وجه الكمال لَزِمَ من ذلك أن يُفْرِدَهُ بالعبادة، ولا تجوز لغيره جل وعلا فحيث كان منفردًا أو متفردًا بالخلق والإنشاء والبدء والإعادة، لا يَشْرَكُهُ في ذلك أحدٌ وجب إفراده بالعبادة دون من سواه، لا يَشْرَكُهُ معه في عبادته أحد كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ} . {الَّذِي خَلَقَكُمْ} قلنا مرارًا هذه صفة كاشفة، والصفة الكاشفة تعليلية، يعني تقوم مقام العلة والتعليل، [كأنه قال، نعم] [2] كأنه قال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ} . اعبدوا ربكم لأنه خلقكم، إذًا {اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ} على وجه الكمال، يعني أفردوا الله تعالى بالعبادة، لماذا؟ لأنه هو الخالق لكم، والذي خلقكم هو الذي يستحق العبادة، فحينئذٍ هذه الصفة الكاشفة صفة كاشفة، يعني ليست للاحتراز، لو قلت: للاحتراز.

(1) سبق.

(2) سبق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت