الصفحة 36 من 439

إذًا خلقهم لهذا الأمر الوحيد الذي دل عليه الآية السابقة، وقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: 5] .. الآية وغيرها من الآيات، ويؤيد ذلك أن الله تبارك وتعالى إنما أراد العبادة من جميع عباده، وأرادها منهم وقضاها عليهم في الشرع لا في الكون، يعني {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ثَمَّ إرادة هنا، ما هي هذه الإرادة؟ إرادة شرعية، أرادها شرعًا ودينًا ولم يردها كونًا إذ لو أرادها كونًا لم يتخلف أحد البتة، فهمتم الفرق؟ لو أرادها كونًا بمعنى أنه لا يوجد على هذه البسيطة مخلوق من الجن والإنس إلا وهو مؤمن لما تخلف أحد البتة، ولكن لما وجد غير المؤمنين ووجد من كذَّب المرسلين، حينئذٍ علمنا أن الإرادة هنا إرادة شرعية، وهذه هي الإرادة الشرعية الدينية، فَبَيْنَ الإرادة الشرعية الدينية والإرادة الكونية القدرية عموم وخصوص مطلق، يجتمعان في حق المخلص المطيع وتنفرد الإرادة الكونية القدرية وتنفرد الإرادة الكونية القدرية في حق العاصي، إذًا بينهم تلاقٍ وبينهما انفراد وسيأتي في مبحث الإرادة زيادة بحث في هذه المسألة، وإنما المراد هنا التنصيص على أن قوله: {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} . المراد به الإرادة الشرعية يعني أمرهم شرعًا وحكم شرعًا أن يعبدوه، ثم قد يعبدون وقد لا يعبدون، هذا المراد هنا.

وأما معنى العبادة قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله تعالى ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. وسيأتي فصل خاص في المتن بإذن الله تعالى يتعلق بالعبادة.

إذًا قوله: (بَلْ خَلَقَ الخَلْقَ لِيَعبِدُوهُ) . ثم بَيَّن أن هذه العبادة لا تكون عبادةً إلا بإفراد جل وعلا فقال: (وَبِالإِلهِيَّةِ يُفرِدُوهُ) . يفردوه بالإلهية، هذا ما يتعلق المسألة الأولى وهي الحكمة من خلق الخلق.

وأشار إلى المسألة الثانية وهي: الميثاق الأول. بقوله:

أَخرَجَ فِيمَا قَد مَضَى مِن ظَهرِ ... آدَمَ ذُرِّيَّتَهُ كَالذَّرِّ

وَأَخَذَ العَهدَ عَلَيهُمْ أَنَّهُ ... لا رَبَّ مَعبودٌ بِحَقٍّ غَيرَهُ

(أَخرَجَ) مَنْ؟ الله تعالى، وإذا قلت: أَخْرَجَ اللهُ تَعَالى. بمعنى أنك وصفته بالإخراج، أليس كذلك؟ يوصف الله تعالى بصفاته، كيف نصل إلى الصفات؟ منها أن يذكر الفعل {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] ، {اسْتَوَى} هذا ما نوعه؟ اسم أم فعل؟ فعل، إذًا وُصِفَ الله تعالى بالفعل، فدل {اسْتَوَى} على ماذا؟ على الاستواء، هنا قال: (أَخرَجَ) أي الله عز وجل، إذًا يوصف الله تعالى بالإخراج، واضح هذا؟ (أَخرَجَ) الله تبارك وتعالى وأظهر حقيقةً بمعنى أن الأمر قد وقع بالفعل وليس هو أمرًا اعتباريًّا، أو أمرًا عقليًّا، أو أمرًا لا وجود له، وإنما هو أمر بالفعل أمر تحقق، لماذا؟ لأن الأصل حمل اللفظ على حقيقته، ودعوى أنه أمر معنوي أو أنه عقلي أو أنه اعتباري هذا معنى مجازي، وإذا كان المعنى مجازيًّا فنحتاج إلى دليل واضح بَيِّن على أن المراد بهذا النص الآتي ذكره المراد به المجاز.

وحيث ما استحال الأصل يُنْتَقَلْ ... إلى المجاز

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت