الصفحة 358 من 439

قال المصنف رحمه الله تعالى:

(فَصلٌ فِي بيانِ النَّوعِ الثَّانِي

وَهُوَ تَوحيدُ الطَّلَبِ وَالقَصدِ، وَهُو مَعنَى لا إلَهَ إلا الله) ذكرنا في أول الفصل السابق أن التوحيد مصدر - نذكر بما مر - أن التوحيد مصدر وَحَّدَ يُوَحِّدُ تَوْحِيدًا مشتق من الوحدة وهي الانفراد، جَاءَ زَيْدٌ وَحْدَهُ، يعني منفردًا، وفلان لا واحد له، وواحد دهره، أي لا نظير له، والتوحيد هو جعل الشيء واحدًا، أي فردًا، أين تجعله؟ وهذه من المسائل التي أشكلت على بعض طلاب العلم مما ذكرتها في الشروحات السابقة وجعلتهم يسألون كثيرًا جعل الشيء واحدًا، أين تجعله؟ عندما تعتقد جعل الله واحدًا أين تجعله؟ في قلبك، أما في الخارج فليس إلهٌ حقٌّ إلا الله عز وجل، هل أنت جعلته؟ لا، أنت لك قدرة فيما أقدرك الله عز وجل عليه، وأعطاك من الإرادة تابعةً لإرادته فأنت تعتقد الوحدة وتعتقد الشَّرَك لكن أين؟ ... في القلب، أما جعله في الخارج بأن لا يكون ثَمَّ إلهٌ في السماوات والأرض إلا إلهٌ واحد هذا ليس إليك، واضح هذا؟ فالْجَعْل يكون قلبيًّا، التوحيد جعل الشيء واحدًا، أي: فردًا، ولذلك لما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأولئك الأقوام: «قولوا لا إله إلا الله» . قالوا ماذا؟ {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} [ص: 5] أجعل الآلهة المتعددة إلهًا واحدًا، أي جعله في اعتقاده. ولذلك من اعتقد الشَّرِكة ولو كان مصليًّا منتسبًا للإسلام رافعًا لراية الجهاد و .. و .. إلى آخره، لو اعتقد الشَّرِكة بقلبه كفر أو لا؟ كفر أشرك، أين شَرَّكَ؟ شَرَّك بقلبه، إذًا التشريك إنما يكون في القلب، واعتقاد الانفراد إنما يكون في القلب، وأما في الخارج فهذا ليس إليك البتة، وشرعًا التوحيد اعتقاد أن الله واحد لا شريك له، ولذلك اعتقادٌ هذا افتعال من العقد، وهو الجزم والاستيثاق والتوكيد، وهذا إنما يكون محله القلب وليس في الخارج، وليس المراد أن الإيمان والإسلام كله قلبي، لا، نعتقد بأن عمل الجوارح ركن في الإيمان لكن الأصل ما يكون في القلب، فيعتقد أن الله واحد لا شريك له، الاعتقاد يكون في القلب ويصدقه بأعماله في ظاهرها، والاعتقاد افتعال من العقد وهو ربط الشيء، عَقَدَ الحبل شد بعضه ببعض نقيض حله، عقد حله، ومادة عقد في اللغة مداره على اللزوم والتأكيد والاستيثاق، قال تعالى: ... {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ} [المائدة: 89] . وهذا إنما يكون بقصد القلب وعزمه.

إذًا قال هنا شرعًا التوحيد اعتقاد أن الله واحد لا شريك له، وهذه الوحدة تختلف باختلاف متعلقاتها، يعني: اعتقاد أن الله واحد لا شريك له، اعتقاد أن الله واحد هذا في القلب، واحد في ماذا؟ يحتمل واحد في ربوبيته، اعتقاد أن الله واحد في ألوهيته، اعتقاد أن الله واحد في أسمائه وصفاته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت