الصفحة 357 من 439

قال هنا: (مَارِق) من السنة. وقد يكون من الإسلام على حسب بدعته وضلاله، من قولهم: مرق السهم من الرمية مُرِوقًا خرج من الجانب الآخر. وإن كان ظاهر الشارح أنه يمرق من الدين، لكن هذا ليس كل من أَوَّلَ يكفر، (مُعانِدِ) لنصوص الكتاب والسنة وما دلت عليه مكذب بالكتاب وبما أرسل إليه به رسله، والمعاندة المفارقة والمجانبة والمعارضة بالخلاف كالعناد.

(فَلَيْسَ(لله يرقى) بَعْدَ رَدِّ ذَا التِّبْيَان) التبيان مصدر إرشاد، بَانَ بَيَانًا اتضح فهو بَيِّن، (فَلَيْسَ بَعْدَ رَدِّ ذَا التِّبْيَان) الذي جاء في الكتاب والسنة من الآيات المحكمة الصريحة والأحاديث الثابتة الصحيحة (مِثْقَالُ ذَرَّة مِنَ الإيمَان) في قلب من رد ذلك بأن الله تعالى هو الحق، وقوله الحق: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ} [يونس: 32] .

وهذا ظاهر المصنف كأنه يرى التكفير مطلقًا كأنه، وقال تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ} . وإن كان هذا قد توافقه الأصول، لأن من ردّ حرّف لفظًا واحدًا، فالأصل أنه مكذب، كمن قال: {اسْتَوَى} . استولى هذا كذب النص، وأما إعذاره بأن ثَمَّ شبهة، أين الشبهة؟ يترك النص ويحتكم إلى العقل، هذا فيه نظر، والأصل فيه أن كل من حرف نصًّا يتعلق بالباري جل وعلا فهو مكذب له لا فرق بينهما البتة، لكن أهل العلم لا يجرؤون على هذا.

وقال تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا ... هُزُوًا} [الكهف: 56] . وهذه الآيات يدخل فيها كل مكذب بأي شيء من الكتاب فكيف إذا كذب بصفات مُنَزّل الكتاب، بل جحد أن يكون الله تعالى تكلم بالكتاب، وهذا واضح بين، فالقاعدة هو الأصل الذي ينبغي أن يقال - وللأسف لم يقل به - أن كل من حرّف صفةً فهو مكذب بها، وإذا كذّب فحينئذٍ نقول: قد كفر، هو كفر نفسه بنفسه، وليس نحن التكفيريين، واضح هذا؟

لكن على القاعدة - تفهم القاعدة السابقة - وهي أن ألفاظ الكتاب والسنة فيما يتعلق بالصفات أنها قطعية محكمة، بل نص ابن القيم أنها من أحكم المحكم، يعني: لا يحتمل إلا ظاهره، وكل من حرّف فحجته العقل، ولذلك ذكروا أن العقل عندهم مقدم على النقل، هؤلاء المحرفون الأشاعرة وغيرهم لا يؤمنون حقيقة ما مذهبهم ودينهم أنهم لا يؤمنون بالكتاب والسنة في باب الأسماء والصفات البتة، وإنما يؤمنون بالعقل فقط، وما الفرق بين من قدَّم العقل على الشرع في هذه المسائل واحتكم إليه، وبين من يحتكم إلى القوانين الوضعية التي كُفْرُهُ معلوم من الدين بالضرورة، لا فرق بينهما البتة. هذا الأصل فيه، وإلا كيف يتجرأ متجرأ ويقعد ويؤصل في باب المعتقد أن العقيدة إنما تؤخذ من العقل الصريح، وأما ألفاظ الكتاب والسنة فهذه لا يوثق فيها، هكذا ينصون على ذلك، لأنها تحتمل المجاز، وتحتمل الاشتراك، وهل اللفظ منسوخ أو غير منسوخ، جميع الاحتمالات الثمانية التي ذكرها الرازي وغيره نَزَّلُوها على ماذا؟ على نصوص الآيات، أو آيات الصفات والأسماء، نقول هذا كله يعتبر ماذا؟ تحكيمًا للعقل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت