(قَدْ أفْصَحَ الوَحيُ الْمُبين عَنْهُ) ، (أفْصَحَ) أي تكلم بالفصاحة وهي البيان (أفْصَحَ) ، وقد للتحقيق التوكيد، أي تكلم بالفصاحة، يعني الوحي، وهي البيان، و (الوَحيُ) هذا فاعل أفصح، و (المُبين) هذا نعته، والمراد به الوحي المبين من الكتاب والسنة، وليس حصرًا فيما تثبت به الصفات والأسماء أن يكون بالقرآن، إنما بالقرآن والسنة، والسنة وحيٌّ {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم 3، 4] فمرده إلى الوحيّ، (قَدْ أفْصَحَ الوَحيُ الْمُبين عَنْهُ) غاية الإفصاح، وشرحه الله تبارك وتعالى أكثر من شرح بقية الأحكام لعظم شأن متعلَّقِهِ، وهذا واضح بين، بمعنى أن دلالة النصوص على ما يتعلق بالمتعقد هذا في غاية الإحكام، المحكم من القرآن المراد به الواضح البين، ولا شك أن الواضح والوضوح والبيان أنه متفاوت ليس على درجةٍ واحدة، ولذلك قد يقع نزاع بين أهل العلم، بل بين الصحابة في مدلول بعض تراكيب القرآن فيما يتعلق بالفروع، صحيح أو لا؟ يقع أو لا يقع؟ لِمَ وقع؟ لأن اللفظ محتمل، وإذا كان اللفظ محتملًا حينئذٍ قطعًا بأنه لم يكن في غاية البيان، ولذلك وقع فيه النزاع، فَهِمَ بعضهم ما لا يفهم منه الآخر، أما ما يتعلق بالمعتقد فلا يتأتى الأمر البتة، ليس ثَمَّ لفظ يحتمل معنيين ثُمّ يقع خلاف، ولذلك لم يختلف الصحابة في نصوص الوحيين فيما يتعلق بالأسماء والصفات، لَمْ يقع في أصلٍ من أصول الدين نزاع بينهم البتة، لماذا؟ لأن آيات الصفات من المحكم بل من أحكم المحكم، ولذلك لم يقع بينهما نزاع في ذلك البتة، هنا قال: (قَدْ أفْصَحَ الوَحيُ الْمُبين عَنْهُ) . غاية الإفصاح، إذًا هو ليس على درجةٍ واحدة، ولذلك وقع نزاع في بعض مدلولات الألفاظ، هو بَيِّن باعتبار قوم غير بَيّن باعتبار آخر {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} [البقرة: 228] جمع قُرْءٍ أو قَرْءٍ، يراد به الطهر ويراد به الحيض، قال بعضهم: الطهر. وقال بعضهم: الحيض. فانتصفت المذاهب هنا على قولين، إذًا وقع نزاع، لو كان اللفظ لا يحتمل إلا معنى واحدًا هل وقع نزاع؟ لم يقع نزاع.
إذًا باعتبار الإفصاح والبيان ليس على درجةٍ واحدة، والبيان الكشف عن الشيء، وسُمِّيَ الكلام بيانًا لكشفه عن المعنى المقصود إظهاره، نحو {هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ} [آل عمران: 138] وسُمِّيَ ما يُشرح به المجمل والمبهم من الكلام بيانًا، نحو قوله: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 19] . (فَاْلتَمِسِ الْهُدَى الْمُنِيَر منهُ) ، (فَاْلتَمِسِ) يعني اطلب، (الْهُدَى الْمُنِيَر) المنير اسم فاعل من أنار، أي من الوحي المبين، لأنه لا سبيل إلى معرفة ذلك إلا منه، ومن خرج عن الوحي مثقال ذرة ضَلَّ وغَوى ولا بد، وهو كذلك، كل من التمس الهدى مطلقًا من غير الكتاب والسنة فقد ضَلّ وغوى، إذ لا حكم إلا لله عز وجل، فكل من أراد أن يبحث عن حكم الله تعالى وأن يقف على حكم الله تعالى فلا بد أن يرجع إلى الكتاب والسنة ... {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ} .
لاَ تَتَّبِعْ أقوَالَ كلِّ مَارِدِ ... غَاوٍ مُضِلٍّ مَارِق مُعانِدِ