نقول: الله أعلم بها. نقول: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] . نثبت اللفظ معنى {اسْتَوَى} معلومٌ في لسان العرب، كيف استوى؟ الله أعلم لأنه أخبرنا أنه استوى ولم يخبرنا كيف استوى، ولذلك لَمَّا سُئِلَ مالكٌ رحمه الله تعالى عن الاستواء عن كيفية الاستواء لم يُسأل عن معنى الاستواء، وإنما سُئِلَ عن كيفية الاستواء كيف استوى؟ قال: الاستواء معلوم والكيف مجهول، «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا» نزولًا يليق بجلاله .. إلى آخر الحديث. كيف ينزل؟ نقول: النزول معلوم، وكيفيته مجهولة كذلك «يجيء ربنا يوم القيامة» ، {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22] . المجيء معلوم، والكيف مجهول فأهل السنة يُثبون المعاني ويفوضون الكيف، ثم معنًى آخر للتفويض - وهذا قَلَّ من نبه عليه - وهو أنهم يفوضون منتهى المعاني، لأنك إذا أثبت العلم لله عز وجل وأثبت السمع والبصر وعرفت المعنى بأن السمع هو إدراك المسموعات، والعلم إدراك المدركات أو المعلومات .. وهكذا لكن هذا إثباتٌ لأصل المعنى (مَعَ اعْتِقَادِنَا لِمَا لَهُ اقْتَضَتْ) الذي هو أصل المعنى فنثبته على وفق ما جاء في لسان، لكن منتهى هذا العلم، ومنتهى هذا البصر، ومنتهى هذا السمع العقل لا يدركه فيفوضه لله عز وجل لا يدري عنه، حينئذٍ إثباتنا للمعاني إثبات أصل المعنى، وأما منتهى المعنى فهذا نفوضه إلى الباري جل وعلا (مَعَ اعْتِقَادِنَا لِمَا لَهُ اقْتَضَتْ) .
ثم قال:
مِنْ غَيْرِ تَحْرِيف وَلاَ تَعْطِيلِ ... وغَيْرِ تَكْيِيف وَلاَ تَمْثيلِ
هذه أربعة محاذير يجب على من أثبت الأسماء والصفات أن يتجنبها فلا يحرف إما لفظًا ومعنًى، أو معنًى، ولا يعطل، ولا يكيف، ولا يمثل.
وقال المصنف وهو المحل الذي وقفنا عليه:
بَلْ قَوْلُنَا قَوْل أئمةِ الهدَى ... طُوبَى لِمَنْ بهَدْيِهِِمْ قَد اهْتدَى
يعني هذه القاعدة والذي ذكرناه ما صح إلى آخره مع اجتناب المحاذير الأربعة ليس مما جاء به المصنف، وليس مما جاء به شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ولا الإمام أحمد، وإنما هو ما دل عليه الكتاب والسنة، وهو ما أجمع عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم فأخذه الخلف عن السلف التابعون وتابعوهم، والسندٌ متصل إلى يومنا هذا ولذلك تواطأت كلمة أهل السنة والجماعة على هذه المعاني وهي إثبات صفات الباري جل وعلا على ما جاء في الكتاب والسنة دون تعرضٍ لهذه المحاذير الأربعة، وإنما يثبتون الألفاظ وما دلت عليه تلك الألفاظ.