ثانيًا: ما دل عليه اللفظ، وإن شئت قل: دلالة اللفظ، أو مدلول اللفظ، أو المعنى الذي قُصِدَ من اللفظ، ثم هذا المعنى إن كان له حقيقة شرعية بمعنى أن الذي فسر هذا اللفظ هو محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - حينئذٍ نقول: المرد هو الشرع كما فسر الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، وهكذا الظاهر والباطن، وكذلك المعية هذه فسِّرت بالكتاب والسنة، وحينئذٍ نجعل هذه المعاني حقائق شرعية فلا نرجع إلى لسان العرب وإن كان ليس تخالف بين ما جاء به الشرع وبين لسان العرب، لكن قد يكون المعنى في الشرع أخصّ من المعنى اللغوي، وقد يكون العكس هذا أو ذاك، فلا نعترض بما جاء في الشرع مفسرًا بما جاء في اللغة، لماذا؟ لأن القاعدة هنا في حمل الألفاظ على مدلولاتها على معانيها سواء كان في العلميات في باب المعتقد، أو في العمليات في باب الفروع، الصلاة والزكاة وغيرها. المعتمد في فهم الألفاظ هو الشرع هذا الأصل فيه، فما جاء مفسرًا في الشرع فهو المقدم، إن لم يرد في الشرع وكذالك الأسماء والصفات حينئذٍ نرجع إلى لسان العرب، فنقول: نزل القرآن بلسان عربي مبين. حينئذٍ كيف نفهم مدلول الرحمة مدلول الاستواء مدلول القدرة والعزة، وهذه من الصفات الثابتة لله عز وجل؟
نقول: نفهمها بلسان العرب، وهذا نأخذه من كلام المصنف وهو محل إجماع، لكن فيه رد على مَنْ؟ على مَنْ يعتقد بأن عقيدة السلف إثبات الألفاظ فقط، وهم ما يُسمَّى بالمفوضة، التفويض بمعنى أننا نثبت اللفظ وأما المعنى فالله أعلم به {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] . قال أهل التفويض: نقول {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} لأن الله تعالى قال ذلك، أما معنى استوى ما المراد به الله أعلم قالوا {اسْتَوَى} مثل {الم} ... [البقرة: 1] ، {كهيعص} [مريم: 1] ، {الم} هل لها معنى؟ ليس لها معنى، أليس كذلك؟ ليس لها معنى، إذًا هل تفهم منه شيء؟ لا إذًا ... {اسْتَوَى} ليس له معنىً {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ} [المنافقون: 8] . العزة ما المراد؟ ليس له معنى {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [النحل: 60] . {الْحَكِيمُ} ما معناه؟ ليس له معنى. الله أعلم، وهذا فيه تجهيلٌ للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولصحابته، وفيه نفيٌ للصفات عن الباري وجل وعلا. فحينئذٍ نقول: أهل السنة والجماعة يُثبتون الألفاظ وما دلت عليه الألفاظ على وفق سنن العرب إن لم يكن ثَمَّ حقيقةٌ شرعية - انتبه لهذا -. حينئذٍ نقول: هذه القاعدة: (نمِرُّهَا صَرِيحَةً) . (نمِرُّهَا) يعني نجريها نسمعها ونثبتها (نمِرُّهَا صَرِيحَةً) . قلنا: الصريح يعني الخالص الذي لا يشُوبه شيء كما أتت في الكتاب والسنة لكن ليس هو إثبات لفظيًا وإنما هو إثبات اللفظ مع إثبات المعنى وإلا صرنا مفوضة من حيث لا نشرع. (نمِرُّهَا صَرِيحَةً كَمَا أتَتْ) في الكتاب والسنة (مَعَ اعْتِقَادِنَا) معية مصاحبة حينئذٍ نثبت الألفاظ ونثبت المعاني التي دلت عليها الألفاظ، ولا نَدَّعِي بأننا نثبت ألفاظًا لا ندري ما معانيها هذا باطلٌ، أهل السنة والجماعة إنما يفوضون الكيف، الحقائق التي تكون عليها الصفة؟