الصفحة 34 من 439

لماذا؟ لأنه لو كانت الإرادة الشرعية لم يخرج عنها أحد البتة، لم يوجد كافر ولا منافق ولا عاصي بل كل من خُلق على وجه هذه البسيطة فلا بد أن يعبد الله تعالى، لأن الله تعالى حكمه نافذ لا راد لحكمه ولا معقب لحكمه، حينئذٍ نقول: كل من وجد على هذه البسيطة لا بد وأن يعبد الله تعالى، وليس الأمر كذلك، بل المراد أنه خلقهم لعبادته التي هي عبادة اختيار، ثم قد يعبدون وقد لا يعبدون، كذلك قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [النساء: 64] . كل رسول أرسل أطيع؟ الجواب: لا، كم من رسول قتله قومه، كم من رسول كُذِّبَ ومع ذلك قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ} يعني لأجل أن يطاع، فالإرادة هنا إرادة شرعية دينية، بمعنى أنه المأمور به قد يقع وقد لا يقع، قد يطاع الرسول وقد لا يطاع، إذًا هنا إشارة إلى هذا المعنى قيل عبادة اختيار كما قال الناظم في شرحه رحمه الله تعالى، ومع عبادتهم إياه لا يشركون بعبادته أحدًا كائنًا من كان، بل (بِالإِلهِيَّةِ يُفرِدُوهُ) ، يعني يفردوه بالإلهية، الجار والمجرور هنا متعلق بيفردوه، بالإلهية جار ومجرور متعلق بيفردوه، والإلهية أي العبودية، المراد بها العبودية متعلق بما بعدها، وقدمه لإفادة الحصر، يفردوه بالعبودية، يعني لا غيره، كقوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة: 5] . قدَّم ما حقه التأخير لإفادة القصر والحصر، كلما جاء متعلق بلفظ العبادة يعبدون وغيره وقدم حينئذٍ يراد به الحصر، (وَبِالإِلهِيَّةِ) أي بالعبودية، (يُفرِدُوهُ) بمعنى أنهم لا يُشَرِّكُون معه غيره جل وعلا، لأن قوله فيما سبق: (بَلْ خَلَقَ الخَلْقَ لِيَعبِدُوهُ) . وإثبات العبادة قد يُراد به إثبات العبادة الحقة، حينئذٍ لا تصدق العبادة إلا مع انتفاء الشرك، وقد يُراد بالعبادة العبادة الظاهرة الصورية، حينئذٍ قد يوقعها المكلف مع وقوعه في الشرك، ولذلك عباد القبور الآن يعبدون الله تعالى في ظنهم ومع ذلك يشركون بالله ليل نهار ما يفعلونه يظنون أنه عبادة ويسمى عبادة، لكن هنا عبادة باعتبار الشرع أو باعتبار ظنهم؟ باعتبار ظنهم، أما الشرع فلا يمكن أن تُسمى أفعالهم عبادة مع كونهم واقعين في الشرك، لأن الشرك إذا دخل العباد أفسدها كالحدث إذا دخل الطهارة سيّان، كما أنه إذا أحدث انتقضت الطهارة عنده ولا يسمى متطهرًا، كذلك إذا أوقع وأحدث الشرك حينئذٍ لا تُسمى عبادة البتة، لأن العبادة قائمة على ركنين شرطين أساسين:

-الإخلاص له تعالى.

-والمتابعة للنبي - صلى الله عليه وسلم -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت