الصفحة 33 من 439

هذا بيان الحكمة التي من أجلها خُلق الخلق من الجن والإنس، قوله: ... (بَلْ) هذا للتدارك قصد به تصحيح الحكم الذي بعده لأنه لم يترك الخلق سدى وهملًا، إن ظن الظانّ بأنه تركهم سدى وهملًا فهذا باطل، حينئذٍ نحتاج إلى بيان الحكمة التي من أجلها خلق الله عز وجل الخلق، (بَلْ خَلَقَ) سبحانه (الخَلْقَ) أي الجن والإنس كما مر معنا، ونحن ننص على الجن والإنس ونترك الملائكة لأن الملائكة لا يتصور منهم العصيان وعليه سواء قررنا أن الرسل أرسلوا للملائكة أو نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - حينئذٍ يكون من باب التأكيد فحسب يعني من باب الزيادة زيادة الطاعة والتعيين للطاعات، وأما كونهم أنهم يسلمون أو أنهم يكونوا عصاه فيقبلوا على الطاعة هذا لا يتصور في شأن الملائكة، بل خلقهم الله عز وجل ابتداءً لطاعته، فلا يتصور منهم وقوع المعصية البتة، فحينئذٍ لا فائدة من ذكر الملائكة هنا، ولذلك هذه المسألة ينبني عليها كبير علم، (بَلْ خَلَقَ الخَلْقَ لِيَعبِدُوهُ) اللام هذه تسمى لام التعليل، وكل لام تعليل في القرآن فالأشاعرة ينكرونها ويجعلونها لام الصيرورة ولذلك في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] . قالوا: هذه اللام لام الصيرورة. وهذا باطل، بل هذه لام التعليل بناءً على أنهم ينفون صفة الحكمة عن الله عز وجل، بمعنى أن الأحكام الشرعية وكذلك الكونية لا تُعلل، بل فعلها الله عز وجل لا لحكمة لا لغاية ولا هدف، هذا باطل ويأتي في محله إن شاء الله تعالى، إذًا (لِيَعبِدُوهُ) اللام هذه لام التعليل، أي لأجل أن يعبدوه عز وجل عبادة اختيار لا عبادة اضطرار لأن عبادة القهر وعبادة الاضطرار هذه عبادة كونية، دل عليها قوله تعالى: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم: 93] . إذًا كل من على وجه الأرض في كل زمان إلا وسيأتي الرحمن يعني يوم القيامة عبدًا، عبدًا سواء كان مؤمنًا أم كافرًا، سواء كان مطيعًا أو عاصيًا، فوصف العبودية من حيث كونه مقهورًا عليه هذا لا يخرج عنها مخلوق البتة لا الكافر ولا المؤمن، فالكافر من الذي يطعمه؟ الله، أولًا من الذي أوجده؟ الله، من الذي أطعمه؟ الله، من الذي يصحه ويحيه ويميته؟ الله عز وجل، من الذي يرزقه الولد؟ الله عز وجل، إذًا هو عبد لله عز وجل، وهو عبد الإيجاد، وأما العبودية التي هي عبودية التشريف والاختيار إنما المراد بها العبودية التي تكون طاعةً للأمر واجتنابًا للنهي، إذًا أي لأجل أن يعبدوه عز وجل عبادة اختيار بما شرعه على ألسنة رسله وأنزل به كتبه، وفي هذا إشارة إلى أن قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} المراد به الإرادة الشرعية الدينية وليست الإرادة الكونية، بمعنى أنهم خلقهم تعالى لعبادته، ثم قد يعبدون وقد لا يعبدون، تفسير الآية هكذا {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} هل المراد الإرادة هنا الشرعية أم الإرادة الكونية؟ نقول: المراد بها الإرادة الشرعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت