الصفحة 32 من 439

والمقصود أنه لا يأمرهم ولا ينهاهم في الدنيا ولا يبعثهم فيجازيهم في الآخرة لأنه تعالى ما خلقهم إلا بالحق لا عبثًا ولا باطلًا، بل لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، إذًا لم يترك الخلق سدًى وهملا، لم يخلقهم هكذا عبثًا لا لشيء بل لحكمة بالغة، قال تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115] أي أفظننتم، الحسبان هنا بمعنى الظن، أفظننتم أنكم مخلوقون عبثًا هكذا بلا قصد ولا إرادة منا ولا حكمة لنا، وقيل للعبث، أي لتلعبوا وتعبثوا كما خلقت البهائم لا ثواب لها ولا عقاب، {وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} أي لا تعودون في الدار الآخرة، لا، ليس الأمر كذلك إنما خلقناكم للعبادة، وإقامة أوامر الله عز وجل، ثم نبعثكم ليوم لا ريب فيه فنجازي كل عامل بعمله إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، إذًا (لَم يَترُكِ الْخَلقَ سُدَىً وَهَمَلا) لم يخلقوا هكذا عبثًا بل لحكمة بالغة قال الله تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} . قال السُّدّيّ: يعني لا يبعث. وهذا يؤيد الآية السابقة {وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} فسرها بما سبق، وقال مجاهد والشافعي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني لا يؤمر ولا ينهى. {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ} أيظن الإنسان جنس الإنسان كل إنسان {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ} هكذا يخلق {سُدًى} [لا] عبثًا يعني، السُّدى هنا فسره لا يبعث، أو لا يؤمر ولا يُنهى، وكلا المعنيين صحيح، {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ} أيظن أنه متروك في هذه الحياة سدى لا يبعث، حينئذٍ إذا لم يبعث يفعل ما يشاء، أو {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} هكذا لا يؤمر ولا يُنهى؟ الجواب: أن الآية تحمل على المعنيين، ولذلك قال ابن كثير رحمه الله تعالى: والظاهر أن الآية تعم الحالين. أي: ليس يترك في هذه الدنيا مهملًا لا يؤمر ولا ينهى، ولا يترك في قبره سدى لا يبعث، بل هو مأمور منهي في الدنيا محشور إلى الله في الدار الآخرة، ولذلك قال المصنف رحمه الله تعالى متداركًا لتصحيح ما ذكره في الشطر الثاني:

.... لَم يَترُكِ الْخَلقَ سُدَىً وَهَمَلا

بَلْ خَلَقَ الخَلْقَ لِيَعبِدُوهُ ... وَبِالإِلهِيَّةِ يُفرِدُوهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت