(وغَيْرِ تَكْيِيف) هذا المحظور الرابع أنه يحرم ماذا؟ يحرم التكييف، (وغَيْرِ تَكْيِيف) أي من غير تكييفٍ، والمراد به تعين كنه الصفة، أو حكاية كيفية الصفة، يعني يبين كيف تكون تلك الصفة {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] يقول: استوى مثل كذا. نقول: هذا يعتبر باطلًا. يقال: كَيَّفَ الشيء أي: جعل له كيفية معلومةً، وكيفية الشيء صفته وحاله، فالتكييف تعيين كنه الصفةِ وكيفيتها، وهذا مما أستأثر به الباري جل وعلا، فلا سبيل إلى الوصول إليه إذ الصفة تابعةُ للموصوف، فكما لا يعلم كيف هو إلا هو، فكذلك صفاته، فالصفات يُحذى فيها حذو الذات، فإذا قيل: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} . نقول: استوى معلوم، الاستواء معلوم، لكن كيف استوى؟ نقول: الله أعلم لا ندري، أخبرنا أنه استوى ولم يخبرنا كيف استوى. ولذلك سئل الإمام مالك رحمه الله تعالى فقيل له: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} كيف استوى؟ فقال: الاستواء معلوم - يعني: بلسان العرب - والكيف مجهول. يعني كيف كان استواؤه؟ على أيّ جهةٍ؟ على أيّ صفةٍ؟ قال: [الاستواء مجهول، والكيف مجهولٌ سبق] (الاستواء معلوم والكيف مجهولٌ والإيمان به واجبٌ والسؤال عنه بدعة) . فقوله: (الاستواء معلوم) . أي: في لغة العرب، وهذا هو الأصل في حمل الألفاظ هنا أن تكون على قاعدة وسنن لغة العرب، وقوله: (الكيف مجهول) . أي: كيفية استوائه سبحانه وتعالى لا يعلم كنهها وكيفيتها إلا هو سبحانه، وقول: (الإيمان به واجب) . لتكاثر الأدلة من الكتاب والسنة في إثبات ذلك، والسؤال عنه، أي: عن الكيفية، بدعة، ففرق مالكٌ رحمه الله تعالى وهو من أئمة السنة أئمة السلف بين المعنى المعلوم من هذه اللفظة، وبين الكيف الذي لا يعقله البشر، حينئذٍ نقول: النزول «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا» . النزول معلوم في لسان العرب، لكن كيف ينزل؟ نقول: الله أعلم. ولا يجوز أن يكيف المرء شيئًا من ذلك، ولذلك قال أهل العلم: إجابة مالكٍ رحمه الله تعالى جوابٌ كافٍ شافٍ في جميع مسائل الصفات، عندما سئل على الاستواء وكيف يستوي كيف استوى؟ قال: الاستواء معلوم. هذا من حيث المعنى، والكيف مجهول، حينئذٍ جميع صفاته إذا سئلت عنها قلت: من حيث المعنى فهو معلوم، ومن حيث الكيف فهو مجهول، وليس المراد أنه ليس له كيفية، لا، له كيفية ولكن نجهلها، فأخبرنا أنه استوى ولم يخبرنا كيف استوى، أخبرنا أنه ينزل جل وعلا نزولًا يليق بجلاله ولم يخبرنا كيف ينزل، وهكذا، ولذلك قالوا: جوابٍ كافٍ شافٍ في جميع مسائل الصفات، فإذا سئل إنسان عن المجيء، أو النزول، أو السمع، أو البصر، أو غير ذلك أجاب بجواب مالك رحمه الله فيقال مثلًا: المجيء معلوم، والكيف مجهول. وكذلك من سئل عن الغضب والرضا والضحك وغير ذلك، فمعانيها كلها مفهومة، وأما كيفيتها فغير معقولة، يعني مجهولة، إذ تعقل الكيفية فرع العلم بكيفية الذات وكنهها، فإذا كان ذلك غير معقول للبشر، فكيف يعقل لهم كيفية الصفات؟ إذ الكلام في الصفات فرع الكلام في الذات.