الصفحة 335 من 439

فتحريف اللفظ العدول عن جهته إلى غيرها، إما بزيادة أو نقصان، وإما بتغيير حركة إعرابية أو غير إعرابية كالبناء ونحوه، فهذه أربعة أنواع، وأما تحريف المعنى فهو العدول بالمعنى عن وجهه وحقيقته، وإعطاء اللفظ معنى لفظٍ آخر بقدرٍ ما مشتركٍ بينهما. قد يكون ثَمَّ مشترك وقد لا يكون، قد يكون ثَمَّ قدرٌ مشترك بمعنى أنه جاء استعماله في لسان العرب كقوله: {بَلْ يَدَاهُ} ... [المائدة: 64] . اليد جاءت في لسان العرب مستعملة في معنى النعمة أو في معنى القوة، لكن في هذا السياق لا يمكن حمله أحد هذه المعنيين، حينئذٍ ثَمَّ قدر مشترك اليد من حيث هي تطلق ويراد بها النعمة، لكن حملها على هذا المعنى في هذا الترتيب نقول: هذا باطلٌ يسمى تحريفًا معنويًا، وتحريف المعنى يسميه القائلون به من الأشاعرة وغيرهم يسمونه ماذا؟ تأويلًا يسمونه تأويلًا، ويسمون أنفسهم بأهل التأويل، يعني تزكية لما هم عليه، وذلك لأجل أن يصبغوا هذا الكلام صبغة القبول، لأن التأويل لا تنفر منه النفوس، تحبه، تأويل، يدل على العلم أهل التأويل، ولذلك قال ابن جرير كثيرًا: قال أهل التأويل. يعني أهل التفسير. فالتأويل لا تنفر من النفوس ولا تكرهه، لكن ما ذهبوا إليه في الحقيقة هو التحريف بعينه وليس بتأويله، لأنه ليس عليه دليل صحيح، نفهم من هذا أن التأويل إذا دل عليه دليلٌ صحيح فهو معتبر، وهذا الذي يعتني به أهل الأصول، فيجعلون التأويل إن كان بدليلٍ فهو تأويل مقبول سواء كان في مقام التفسير أو غيره، وأما التأويل الذي لا يدل عليه دليل فهو مردود على صاحبه ويسمى بالتأويل الفاسد إلا أنهم لا يستطيعون أن يقولوا تحريفًا، وإنما يسمونه تأويلًا، ولو قالوا: هذا تحريف لأعلنوا على أنفسهم برفض كلامهم، ولهذا عبر المؤلف رحمه الله تعالى هنا بقوله: (تَحْرِيف) . ... (مِنْ غَيْرِ تَحْرِيف) دون أن يعبر بالتأويل مع أن كثيرًا ممن يتكلمون في هذا الباب يُعبرون بنفي التأويل يقولون: من غير تأويل. والصواب أن يقال: من غير تحريف. لأن التأويل قد يكون صوابًا وقد يكون خطأً، إن كان بدليل فهو حقٌ، وإن كان بغير دليل فهو تأويل فاسد، أما التحريف فكله فاسد. مع أن كثير ممن يتكلمون في هذا الباب يعبرون بنفي التأويل يقولون: من غير تأويل. هذا المحظور الأول، وهو أنه يجب أن يفهم كلام الباري جل وعلا فيما يتعلق بأسمائه وصفاته بالمعاني المتعلقة بالألفاظ دون تحريفٍ، فيبقى اللفظ على ظاهره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت