قال: وأنهما من مشكاةٍ واحدة ولا ينكر ذلك من له أدنى معرفة وإيمان، فإن السنة كالكتاب في إفادة العلم واليقين، وفي وجوب القبول واعتقاد ما تضمنته، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - بَيَّنَ لأصحابه القرآن لفظه ومعناه فبَلَّغَهُم معانيه كما بلغهم ألفاظه هذه قاعدة مهمة في هذا الجانب، ودليلها إجماع الصحابة على ذلك، ولا يحصل البيان والبلاغ المقصود إلا بذلك كما قال تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] . وقد بيناه على أتم بيان، وأيضًا فإن الله أنزل على نبيه الحكمة كما أنزل القرآن، والحكمة هي السنة كما قاله غير واحد من السلف، وقال - صلى الله عليه وسلم: «ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه» . رواه أصحاب السنن من حديث المقدام بن معدي كرب، وقال سبحانه: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3، 4] . وإنما يحسن الاستدلال على معاني القرآن لما رواه الثقات عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم يُتْبَعُ ذلك بما قاله الصحابة والتابعون وأئمة الهدى، يعني: استئناسًا، الصحابة في هذا المقام يُثبت قولهم احتاجًا، وأما من بعده فهو استئناسًا ليس من باب الاحتجاج، لأنه باتفاق أن من بعد الصحابة وإن كان ثَمَّ قول ضعيف عند الأصوليين، هل يحتج بقول التابعي أو لا؟ والصواب أنه لا يحتج بقول التابعي مطلقًا، وأما الصحابة ففيه قولان، وأما هنا في هذا المقام فهو ما اتفق عليه الصحابة، وقلنا فيما سبق: أن الصحابة لم يختلفوا في باب المعتقد، لم يختلفوا في فهم لا إله إلا الله، لم يختلفوا في دلالة الأسماء والصفات على معانيها وجريها على ظواهرها وإمرارها كما جاءت دون تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه .. إلى آخره، حينئذٍ نقول: هذا إجماع منهم، وإذا كان إجماعًا فالإجماع حجة قطعية في هذا المقام، فيحتج بالكتاب ويحتج بالسنة معًا لا نقول: بالكتاب ثم بالسنة. إنما نقول: يحتج بالكتاب والسنة معًا، ثم بإجماع الصحابة فيما وافق ذلك، وكله موافق لدلالة الكتاب والسنة.
وابن القيم رحمه الله تعالى ذكر أن المقبول في هذا الباب من أنواع السنة أربعة أنواع، يعني: فيما تثبت به الأسماء والصفات في هذا المقام، قال: المقبول في هذا الباب - يعني: باب الأسماء والصفات - من أنواع السنة أربعة أنواع. وأشار إلى ذلك في (( الصواعق ) )يُرجع إليه:
الأول: ما تواتر لفظًا ومعنًى.
الثاني: ما تواتر معنًى.
يعني: المتواتر بنوعيه، المتواتر لفظًا ومعنًى والمتواتر معنًى، انظر ابن القيم يقول: تواتر. إذًا يُثبت ماذا؟ يُثبت التواتر، ومن احتج بأن ابن القيم لا يرى التفريق بين المتواتر والآحاد فقد افترى عليه كذبًا، لماذا؟