وسميت بذلك لأنها تستر بأشجارها وكثرتها مَنْ وراءها، هذا الأصل فيها. وكل ما ستر عنك فقد جُنَّ عنك، و (الفِرْدَوْسٍ) بكسر الفاء البستان يجمع كل ما يكون في البساتين عربيةٌ كأصلها، أو رومية نقلت أو سريانية قاله في القاموس، يعني يحتمل. قال هنا: (في جَنَّةِ الفِرْدَوْسٍ بِالأبصَارِ) هذا كذلك متعلق بماذا؟ يُرى. إذًا: (وأنَّهُ يُرَى بِلاَ إنْكَارِ) طيب. قال: (في جَنَّةِ الفِرْدَوْسٍ بِالأبصَارِ) يُرى بماذا؟ بالأبصار. الرؤية أصلها إذا لم يكن ثم ما يقتضي صرف اللفظ عن ظاهره أنها تحمل على الرؤية البصرية هذا الأصل فيها، رأى المراد بها الرؤية البصرية لكن لَمَّا كان ثَمَّ خلافٌ عند المخالف أراد المصنف هنا بقوله: (بِالأبصَارِ) أن يُؤَكِّّد أن المراد هنا بالرؤية رؤيةٌ بصرية بالعين، فبالأبصار متعلقٌ بيُرى، أي يُرى بالأبصار تأكيدٌ لمعنى الرؤية أنها بالحاسة، والأبصار جمع بصرٍ وقد مرّ.
(كلٌّ يَرَاهُ رُؤيَةَ العِيَانِ) ، (كلٌّ) أي كل أهل الجنة التنوين هنا عوض عن المضاف إليه {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} [البقرة: 116] . كل عبدٍ له قانت (كلٌّ) أي كل أهل الجنة فالتنوين عوضٌ عن المضاف إليه (كلٌّ يَرَاهُ) ، (كلٌّ) مبتدأ و (يَرَاهُ) جملة خبر، (يَرَاهُ) الضمير يعود إلى الباري جل وعلا، أي يرى الباري (رُؤيَةَ العِيَانِ) هذا مفعولٌ مطلق نوعي، لأنه قال: (يَرَاهُ رُؤيَةً) هذا الأصل فيه أنه توكيد، لكن لما قال: (رُؤيَةَ العِيَانِ) يعني أضافه حينئذٍ نقول: هذا تقييدٌ له (رُؤيَةَ العِيَانِ) مفعولٌ مطلق نوعي تأكيدٌ لمعنى الرؤية أنها حقيقيةٌ وكائنةٌ بالأبصار. وفي القاموس: لقيته عيانًا بكسر العين عِيانًا لقيته عِيانًا أي معاينةً، والمعاينة لا تكون إلا بماذا؟ بالبصر هذا المراد بها هنا، حينئذٍ يرى أهل الجنة الباري جل وعلا بأبصارهم يعني ليس ثَمَّ مجازٌ وليس ثَمَّ شيءٌ آخر إلا أن المؤمن يرى ربه في الجنة بعينه الباصرة. قال: لقيته عِيانًا. أي معاينةً لم يشك في رؤيته إياه، يعني جاء بقوله: عِيانًا. من باب التوكيد أيضًا (كَمَا أتَى في مُحْكَمِ القُرآنِ) أي كما أتى إثبات ذلك رؤية الباري جل وعلا المؤمنين لربهم جل وعلا في الجنة في محكم القرآن، هذا من إضافة الصفة إلى الموصوف يعني في القرآن المحكم، أي القرآن المحكم، كما مر معنا قوله تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ} [هود: 1] . قلنا: الإحكام المراد به ماذا؟ الإيضاح والبيان والإتقان. فالقرآن كله محكم.