الصفحة 309 من 439

كلٌّ يَرَاهُ رُؤيَةَ العِيَانِ ... كَمَا أتَى في مُحْكَمِ القُرآنِ

وَفي حَديثِ سَيِّدِ الأنَامِ ... مِنْ غَيْرِ مَا شَكٍّ وَلا إِبْهَامِ

رُؤْيَةَ حَقٍّ لَيْسَ يَمْتَرُونَهَا ... كَالشَّمْسِ صَحْوًا لاَ سَحَابَ دُونَهَا

وَخُصَّ بالرُّؤيَةِ أوْلِياؤُهُ ... فَضِيلَةَ وَحُجِبُوا أَعْدَاؤُهُ

وإنه (وأنَّهُ) يعني بفتح الهمزة أحسن أي الرب سبحانه وتعالى لأنه عطفٌ على ما سبق، (وأنَّهُ يُرَى بِلاَ إنْكَارِ) ، (وأنَّهُ) أي الرب سبحانه (يُرَى) هذا مضارع رأى مُغير الصيغة يُرى هو أي الباري جل وعلا، هذا مضارع رأى مغير الصيغة عينه همزةٌ ولامه ياء في رأى الأصل، رأيت، من أي جاءت الياء هذه أصلية رأى هذه ألف نقول: هذه الألف منقلبة عن ياء، أصله رَأَيَ على وزن فَعَلَ تحركت الياء وانفتح ما قبلها فوجب قلبها ألفًا، حين تقول: رأيت رؤية جاءت الياء فدل على ماذا؟ على أن عينه همزة رأى ولامه ياء كقولهم: رؤية ورأيت، وتحذف الهمزة من المستقبل فيقال: يرى ولا يقال يرأي، وإنما يقال: يرى، وترى، ونرى حينئذٍ تحذف الهمزة، وهذا يقال فيه لعلةٍ في موضعٍ وطردًا للباب في سائر الباب. والرؤية إدراك المرء، والمراد هنا الرؤية بالحاسة يعني الرؤية البصرية، وأنه أي الباري جل وعلا يُرَى بالبصر، ومر معنا البصر (بِلاَ إنْكَارِ) ، لا هنا بمعنى غير فهي اسميةٌ، ولذلك دخلت عليها ماذا؟ الباء، لأن الحرف لا يدخل على الحرف، لا حرفٌ في أصله، لكن نقول: هنا اسمية بمعنى غير، يعني بغير إنكار، وهذا الجار المجرور متعلق بقوله: يُرى بلا إنكار، أي بغير إنكارٍ لكون الرب يُرى بالعين الحاسة من المخلوق، فالمخلوق يَرَى، والإنكار ضد العرفان، يقال: أَنْكَرْتُ كذا ونَكَرْتُ، وأصله أن يرد على القلب ما لا يتصوره وذلك ضربٌ من الجهل وقد يُستعمل ذلك فيما يُنكر باللسان، وسبب ذلك أي الإنكار باللسان هو الإنكار بالقلب، لكن ربما يُنكر اللسان الشيء وصورته في القلب حاصلةٌ ويكون في ذلك كاذبًا، يعني أصل الإنكار محله القلب، وقد يكون باللسان، وإذا كان باللسان حينئذٍ يكون فرعًا عما في القلب، والأصل فيه القلب، بمعنى أنه ماذا؟ يَرِدُ على القلب ما لا يتصوره، وذلك ضربٌ ونوعٌ من ماذا؟ من الجهر، هذا الأصل فيه، ومنه الكاذب: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} [النحل: 83] . يعرفون بماذا؟ بقلوبهم، والإنكار وقع بماذا؟ باللسان. إذًا الإنكار قد يكون لما في القلب فحسب دون تلفظٌ باللسان، وقد يكون إنكارًا بماذا؟ باللسان لكنه فرعٌ عما في القلب، والآية واضحةٌ بَيِّنَة {فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ} [غافر: 81] . قال: (يُرَى بِلاَ إنْكَارِ ** في جَنَّةِ الفِرْدَوْسٍ) متعلقٌ بماذا؟ بيُرَى يعني محل الرؤية أين؟ ليست في الدنيا {لَن تَرَانِي} [الأعراف: 143] . هذا جاء في ماذا؟ في جواب الباري جل وعلا لموسى لما طلب منه الرؤية. قال: {لَن تَرَانِي} ولن هنا من حيث المعنى مؤبدة لكنها في الدنيا، ليس على قول الزمخشري، ولكن في الدنيا لن يراه أحدٌ حتى يموت، وأما في الجنة هذا الذي عناه المصنف هنا (في جَنَّةِ الفِرْدَوْسٍ) الجنة معلوفة وهي الحديقة ذات النخل والشجر يقال: البستان جنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت