الصفحة 307 من 439

والمجيء والإتيان بمعنى واحد، وهنا أثبت ماذا؟ المجيء {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} ، {جَاء رَبُّكَ} أي لفصل القضاء بين عباده {وَالْمَلَكُ} أي جنس الملائكة {صَفًّا صَفًّا} أي يصفون صفًا بعد صفٍ، قد أحدقوا بالجن والإنس كما رُوِيَ أن الملائكة كلهم يكونون صفوفًا حول الأرض، فهذه الآيات أفادت إثبات المجيء والنزول والإتيان لله سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله وعظمته، وهذه من صفاته سبحانه الفعلية - كما مر معنا - فيجب إثبات جميع الصفات الواردة في الكتاب والسنة كما أثبتها الله عز وجل نفسه، وأثبتها له رسوله - صلى الله عليه وسلم - من غير تحريفٍ ولا تعطيل ومن غير تكييفٍ ولا تمثيل، ودلت هذه الآيات أيضًا على أن نزوله سبحانه وتعالى وإتيانه ومجيئه ونحو ذلك من أفعاله أنه حقيقةٌ هو الأصل فيه، كما يليق بجلاله وعظمته إذا الأصل الحقيقة ولا صارف عن ذلك، فلا نحمله {جَاء رَبُّكَ} أي جاء أمر ربك هذا كذبٌ وافتراءٌ على الباري جل وعلا، وإنما جاء ربك الأصل في إسناد الفعل إلى فاعله أنه حقيقةٌ فلا نقول: بأنه ماذا؟ أنه مجازٌ، لأن الأصل الحقيقة ولا صارف له، ودلت على أنه نزولٌ وإتيانٌ ومجيءٌ بذاته هذا الأصل فيه ... {وَجَاء رَبُّكَ} أي بذاته ليس ثَمَّ ملك يبعثه وإنما بذاته كما يليق بجلاله وعظمته.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: نزوله سبحانه إلى الأرض يوم القيامة تواترت به الأحاديث والآثار ودل عليه القرآن صريحًا كما في هذه الآيات.

وفي حديث الصور المشهور الذي ساقه غير واحدٍ من أصحاب المسانيد وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفيه: «إن الناس إذا اهتموا لموقفهم في العرصات تَشَفَّعُوا إلى ربهم بالأنبياء واحدًا وَاحدًا من آدم فمن بعده، فكلهم يحيد عنها حتى ينتهوا إلى محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - فإذا جاءوا إليه يعني إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: أنا لها أنا لها فيذهب فيسجد لله تعالى تحت العرش ويشفع عند الله في أن يأتي» ها هنا الشاهد «في أن يأتي لفصل القضاء بين العباد فَيُشَفِّعُهُ الله ويأتي في ظلل» يعني الباري جل وعلا «ويأتي في ظللٍ من الغمام بعدما تنشق السماء الدنيا وينزل من فيها من الملائكة ثم الثانية ثم الثالثة إلى السابعة» يعني السماوات «وينزل حملة العرش والكَرُوبيُّون» [1] . قال: «وينزل الجبار عز وجل في ظللٍ من الغمام ولهم زجلٌ» يعني الملائكة من تسبيحهم «يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان ذي العزة والجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوحٌ قدوسٌ رب الملائكة والروح، سبحان ربنا الأعلى، سبحان ذي السلطة والعظمة سبحانه سبحانه أبدًا أبدًا» .

وعن ابن مسعودٍ رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يومٍ معلوم أربعين سنةً شاخصةً أبصارهم إلى السماء ينتظرون فصل القضاء وينزل الله في ظللٍ من الغمام من العرش إلى الكرسي» . رواه ابن منده وقال الذهبي: إسناده حسن.

(1) تفسير ابن كثير سورة البقرة آية 210.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت