نظر وجه زيدٍ بمعنى الإبصار، انتظر نظر به، بمعنى ماذا؟ بمعنى الانتظار، إذًا هذه المادة لها ثلاثة معاني تختلف باختلاف ماذا؟ باختلاف ما تتعدَّى به، حينئذٍ لا يُفسر كما سيأتي في صفة الرؤية أن النظر إذا عدي بـ (إلى) {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22، 23] (إلى) ، عُدِّيَ بـ (إلى) ، إذًا لا يحمل إلا على النظر الذي هو إدراك بالحاسة، هنا {هَلْ يَنْظُرُونَ} أي ينتظرون من الانتظار، لماذا؟ لأنه لم يعدَّ بـ (إلى) ، ولا بـ (في) . قال هنا: {يَنْظُرُونَ} . أي ينتظر، هل ينتظرون يعني الكفار، {إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ} ، يعني لفصل القضاء بينهم يوم القيامة فيجزي كل عامل بعمله، إن خيرًا فخيرٌ وإن شرًّا فشرٌّ، {فِي ظُلَلٍ} جمع ظلة وهي ما أظلك وسترك {مِنَ الْغَمَامِ} ، أي السحاب الأبيض الرقيق سُمِّيَ غمامًا لأنه يَغُمّ، أي يستر، {وَالْمَلَائِكَةُ} أي والملائكة يجيئون في ظلل من الغمام، ففي الآية إثبات مجيء الملائكة يوم القيامة، لأنهم يحيطون بالإنس والجن، ثم ينزل الله سبحانه لفصل القضاء بينهم، {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ} الإتيان والمجيء بعضهم فرق بينهما، لكن الظاهر في لسان العرب أن المجيء والإتيان بمعنى واحد، حينئذٍ {إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ} هذا محل الشاهد، فيه إثبات المجيء، وفيه إثبات الإتيان. وقال تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} . {يَأْتِيَ رَبُّكَ} على ما سبق إثبات صفة الإتيان لأنه فعل أُسند إلى الفاعل وهو الباري جل وعلا، {أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ} [الأنعام: 158] .. الآية، {إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ} ، {هَلْ يَنْظُرُونَ} أي ينتظرون، {إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ} يعني لقبض أرواحهم، {أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} يعني يوم القيامة لفصل القضاء بين العباد، {أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ} المراد به ماذا؟ طلوع الشمس من مغربها، وطلوعها من مغربها هو أحد أشراط الساعة الكبرى، وإذا طلعت من مغربها أُغلق باب التوبة، وإذا رآها الناس طلعت من مغربها آمنوا أجمعون، ولكن لا يُقبل لأحد توبةٌ ما لم يكن آمن من قبل ذلك، كما في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون فذاك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل» . وقال تعالى: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا} [الفرقان: 25] . {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ} المراد به يوم القيامة، وتشقق السماء، أي انفطارها، {بِالْغَمَامِ} أي يخرج منها الغمام، وهو السحاب الأبيض وحينئذٍ تنزل الملائكة إلى الأرض فيُحيطون بالخلائق في مقام المحشر ثم يجيء الرب جل وعلا لفصل القضاء بين عباده، وقال تعالى: {كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاء رَبُّكَ} [الفجر: 21، 22] .