وفي مسند أحمد رحمه الله تعالى بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ينزل الله كل ليلةٍ إذا مضى ثلث الليل الأول، فيقول: أنا الملك من ذا الذي يستغفرني فأغفر له» فحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أصل في هذا الباب عند أهل السنة، بمعنى أنه قد تعددت طرقه في الصحيحين وسائر الأمهات، وقد ساقه إمام الأئمة أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتاب (( التوحيد ) )من أكثر من ثلاثين طريقًا عن أبي هريرة رضي الله عنه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو حديثٌ متواتر، فالواجب الإيمان بما في هذه الأخبار من ذكر نزول الرب جل وعلا من غير أن نصف الكيفية، نزولٌ بلا كيف بمعنى أننا لا نتحدث عن الكيفية، ولا نعقل الكيفية ولا نستحضر كيفية ما في أذهاننا، وإنما نثبت المعنى نزل معروف في لسان العرب هبط ونحو ذلك لا يقتضي ماذا؟ نَقْلَةً أو نُقْلَةً، ولا يقتضي أن تكون السماوات الثانية وما فوقها فوق الباري جل وعلا، فحينئذٍ نثبت ما دلت عليه هذه الأخبار من غير أن نصف الكيفية، ليس المراد أنها ليست لها كيفية؟ لا، لها كيفية قطعًا، كل فعل له كيفية لكن لا نعلمها، أخبرنا الباري جل وعلا عن طريق نبيه - صلى الله عليه وسلم - أنه ينزل، ولم يخبرنا ماذا؟ كيف نزل، إذًا علمنا الأول وجهلنا الثاني، فنتكلم بما علمنا ونسكت عما جهلنا، وما أحسنها من طريقة أن يتكلم الإنسان فيما يعلم، ويسكت عما يجهل، والجهل محمود هنا، الجهل هنا محمود، لماذا؟ لأن كلامه في شيء ليس من طريق الوحي لم يأتِ به وحي البتة، لأن نبينا المصطفى - صلى الله عليه وسلم - لم يصف كيفية نزول خالقنا إلى السماء الدنيا، وهذه قاعدة معك في سائر الأفعال، كيف يجيء، كيف استوى، كيف ينزل، نقول: النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصف كيفية نزول خالقنا إلى السماء الدنيا، وأعلمنا أنه ينزل، والله جل وعلا لم يترك ولا نبيه - صلى الله عليه وسلم - بيان ما بالمسلمين إليه الحاجة من أمر دنيه، لكن ثَمَّ ما يتعلق بحاجة تتعلق بإيمان العبد بربه جل وعلا لو كان ثَمَّ ما يحتاجه العبد لَبَيَّنَهُ الله تعالى، أليس كذلك؟ {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] ، إذًا الدين كامل، والإيمان كامل، والإحسان كامل، والإسلام كامل، فكل ما يتعلق بالدين فهو كامل على أتم وجه، مع ذلك لم نعلم الكيفيات في الصفات نجهلها، لو كان الدين لا يَكْمُلُ إلا بالعلم بالكيفيات لبَيَّنَهُ الله تعالى، فلما لم يبينه دل على أنه لا علاقة له البتة، وإنما النظر يكون في إثبات المعاني وما يتعلق بها من آثار في الكون وعلى العباد.