أي ومما يجب الإيمان به وإثباته وإمراره كما جاء يعني دون تعرض لمعناه بالنفي أو التحريف، وإنما نُمِرُّهُ كما جاء مراد السلف بذلك ليس هو التفويض كما قد يفهمه بعض المبتدعة، إنما المراد أنه يثبتون اللفظ وما دل عليه اللفظ من معنى ولا يتعرضون لشيءٍ آخر لا لكيفيةٍ ولا للوازم ذهنيةٍ عقلية قد تنافي الواقع ونحو ذلك، وإنما يتركون اللفظ كما هو، أَمِرُّوها كما جاءت بمعنى ماذا؟ إثبات اللفظ والمعنى، وليس المراد اقرؤوها ولا تفهموا معانيها، لا، هذا كذب على السلف ما أرادوا ذلك، وإنما أرادوا إثباتها لفظًا ومعنى دون التعرض لها، لأن المخالف هنا المبتدع قد تعرض لها بعقله لَمَّا سَمِعَ {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22] قالوا: كيف يجيء هذا بصفة المخلوق، إذًا أَمَرَّهَا؟ لَمْ يُمِرَّهَا كما جاءت، وإنما تعرض لها بعقلٍ، ثم إما نافي وإما محرف .. إلى آخره. إذًا إِمْرَارُهُ كما جاء كغيره من الصفات، وهذا سَنَنُ صفات الباري جل وعلا إنما تُثْبَتُ الألفاظ والمعاني، ولذلك مرّ معنا
إثْبَاتُ ذَاتِ الرَّبِّ جَلَّ وعَلاَ ... أسْمَائِهِ الْحُسْنَى صِفَاتِهِ العُلَى
وقلنا: هذا المقام توحيد الأسماء والصفات قائم على ماذا؟ على الإثبات فقط، يعني دون تشبيه، دون تمثيل، إثبات ذات الرب {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] كل اسمٍ دل على صفةٍ تُثْبَتُ دون تمثيل ولا تعطيل .. إلى آخره، كذلك كل صفةٍ تُثبت للباري جل وعلا دون تعرضٍ لها بنفيٍ أو .. إلى آخره، سيأتي في آخر الباب ما يتعلق بالمحاذير الأربعة.
كما جاء صفة النزول للرب عز وجل يعني مما يجب الإيمان به وإثباته وإمراره كما جاء صفة النزول للرب عز وجل، وهذا مما تواترت فيه الأدلة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فرواه نحوٌ من ثمانية وعشرين نفسًا من الصحابة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا تأخذ منه قاعدة أن باب الصفات ليس مرده القرآن فحسب، لأن نزول الباري جل وعلا في ثلث الليل الأخير ليس في القرآن البتة، أليس كذلك؟ ليس عندنا آية تثبت ماذا؟ تثبت نزول الباري جل وعلا أنه ينزل في كل ليلةٍ نزولًا يليق بجلاله، وإنما هذا جاء من طريق السنة النبوية، فكما تثبت الصفات بالقرآن كذلك تثبت الصفات بالسنة يعني: ما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يشترط فيها التواتر، وإنما متى ما صح النقل حينئذٍ وجب الإثبات، وأما اشتراط أن يكون متواترًا وما جاء من الآحاد فهذا قول أهل البدع، التفريق هنا بين المتواتر والآحاد في قبول الصفة وردها هذا جاء من قِبَلِ أهل البدع، وأما التقسيم ذاته حديث متواتر وآحاد هذا لا إشكال فيه، وهذا معروف حتى عن بعض المتقدمين وإن كان ثَمَّ ما يتعلق بالشروط التي ذكرها المتأخرون فيها شيء من النظر.