الصفحة 29 من 439

إذًا الباء هنا زائدة {اعلَم بِأَنَّ اللهَ} أي المعبود المطاع، والباء نحكم عليها بأنها زائدة لأن علم يتعدّى بنفسه فلا يحتاج إلى مُعَدٍّ، (جَلَّ وَعَلا) ، (جَلَّ) أي عَظُمَ، كما مر معنا شأنًا وذاتًا وصفةً، وتنزه عن كل نقص (وَعَلا) أي ارتفع، (جَلَّ) أي عَظُمَ، (وَعَلا) أي ارتفع بكل معاني العلو الثلاثة الآتي ذكرها إن شاء الله تعالى في محلها، والعلو هو الارتفاع، (وَعَلا) أي ارتفع ذاتًا وصفةً وقهرًا، (لَم يَترُكِ الْخَلقَ سُدَىً وَهَمَلا) ، (لَم يَترُكِ) من؟ الله عز وجل، لأنه ذكره أولًا ثم عاد الضمير عليه، (اعلَم بِأَنَّ اللهَ جَلَّ وَعَلا ** لَم يَترُكِ) هو، أي الله عز وجل، وهذا نفي (لَم يَترُكِ) هذا نفي، أليس كذلك؟ وهل هو صفة لله؟ نقول: نعم، لأن الصفات منها ما هو مُثْبَت، ومنها ما هو منفي، فالله تعالى يوصف تارةً بالإثبات وتارةً يوصف بالنفي، قد اشتمل على النوعين قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ} هذا إثبات، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} إذًا آيتان في الإثبات، وآيتان في النفي. {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ} هذا إثبات، {أَحَدٌ} سيأتي معناها هذا إثبات، {اللَّهُ الصَّمَدُ} هذا إثبات، {لَمْ يَلِدْ} هذا نفي، فيوصف الله تعالى بالإثبات تارة، ويوصف بالنفي تارةً أخرى، لكن هل يقال إن الله تعالى ترك كذا؟ النفي هنا يدل على ماذا؟ لأنه قيده، قال: (لَم يَترُكِ الْخَلقَ سُدَىً وَهَمَلا) . إذًا نفى نوعًا من الترك، وليس كل الترك أو لا؟ لأنه قيده، قال: (لَم يَترُكِ الْخَلقَ سُدَىً وَهَمَلا) . إذًا قيده بوصف، حينئذٍ لم يحصل منه كل ترك، وعليه بالمقابل نقول: الله ترك والله لم يترك. هل يوصف الله عز وجل بالترك؟ الجواب: نعم، هل هي من صفات الباري جل وعلا؟ نقول: نعم، الله عز وجل قد يوصف به هذا الوصف، ودليله قوله تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} [القيامة: 36] . من الذي يتركه سدًى؟ الله عز وجل، لا يتركه سدًى بالنفي لكن {أَنْ يُتْرَكَ} ، يعني: أن يتركه الله، فَيُتْرَكَ هذا فعل مضارع مغير الصيغة، والفاعل محذوف وهو الله عز وجل، إذًا يوصف الله تعالى بالترك انتبه لهذا، وقوله: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} [الكهف: 99] . تركنا (نا) هنا دالة على الفاعلين، إذًا يوصف الله تعالى بالترك، {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ} ، {وَتَرَكْنَا فِيهَا آَيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [الذاريات: 37] ، إذًا آيات عديدة جدًّا فيوصف الله تعالى بالترك، بل النسيان الوارد في الكتاب والسنة في النصوص هو بمعنى الترك، وهي صفة فعلية خبرية ثابتة لله تعالى بالكتاب والسنة. قال تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت