الصفحة 28 من 439

هذين البيتين ضمنها المسألة الأولى وهي الحكمة من خلق الخلق، قوله: (اعلَم) . أمر بتحصيل العلم، أي كن متهيئًا لِمَا يُلْقَى إليك من العلوم، وكلمة يؤتى بها للاهتمام والحثّ على تدبر ما بعدها، يعني جرى عادة أهل العلم في الأشياء المهمات أن يصدروا كلامهم أو كتابهم أو ما يتعلق بتنبيهٍ أو نحو ذلك بكلمة (اعْلَمْ) ، وهي ليست مقصودة لذاتها، وإنما المراد بها كن متهيئًا لما بعده لما سيذكر، والذي سيذكر حينئذٍ يكون شيئًا مما يُهْتَمُ به، إذًا كلمة يؤتى بها للاهتمام مما بعدها، (اعلَم) خطاب هنا في هذا الموضع لكل المكلَّفين فلا يختص الخطاب من مخاطب دون المخاطب، بل كل من تأتى منه العلم فله مدخل فيه، ولذلك لم يتعين هنا الفاعل (اعلَم) فكل قارئ (اعلَم) الأصل أنه واحد، (اعلَم) أنت هذا الأصل فيه، هل هو معين أو غير معين؟ نقول: غير معين، لأنه كلما قرأ قارئ اعلم حينئذٍ ظن أنه هو المخاطب، فدخل تحته ما لا حصر من الأفراد، وهذا له أصل في لسان العرب، بل جاء القرآن كذلك في قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ} [الأنعام: 27] . {وَلَوْ تَرَى} كل مخاطب حينئذٍ إذا قرأ هذه الآية كأنه مخاطب بها، {وَلَوْ تَرَى} أنت وإن كان أصل الخطاب فيه لمحمد - صلى الله عليه وسلم -، {وَلَوْ تَرَى} أنت يا محمد، لكن ما جاء بصيغة الجمع وإنما جاء بصيغة الإفراد حينئذٍ كل من يتأتى منه الرؤية فهو داخل في الخطاب، خرج على صورة الخطاب ليعم، (اعلَم بِأَنَّ اللهَ جَلَّ وَعَلا) ، (بِأَنَّ اللهَ) الله هو المعبود المطاع كما مر معنا سيأتي تفصيله في موضعه إن شاء الله تعالى، والباء هنا زائدة (اعلَم بِأَنَّ اللهَ) لأن عَلِمَ يتعدَّى بنفسه، عَلِمَ في الأصل يتعدّى بنفسه، ومنه قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} . ما هنا إعرابها في محل نصب مفعول به لِيَعْلَم يتعدّى بنفسه، يعني: لا يحتاج إلى حرف، {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} الذي بين أيديهم فهو معلوم تعلق به يعلم فنصبه على أنه مفعول به، ولم يأتِ ذكر للباء حينئذٍ إذا جاءت الباء وكان الأصل في الفعل أنه متعدٍّ حكمنا بكونها زائدةً، وأما الباء في قوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} [العلق: 14] . هنا جاءت الباء، {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ} وجرى عليه المصنف هنا رحمه الله تعالى فيحتمل زيادتها، يحتمل الأمر زيادتها، حينئذٍ تكون زائدةً ولا إشكال في القول بالزيادة، لأنه يكون من باب التأكيد، أو أن يكون قوله: {يَعْلَمْ} . مضمنًا معنى أحاط، أحاط يتعدَّى بالباء، {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} ، إذًا علم وأحاط فضمنه ماذا؟ معنى أحاط، وأحاط يتعدَّى بالباء كما في قوله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ} [البقرة: 255] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت