الصفحة 284 من 439

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي النبي - صلى الله عليه وسلم: «اقرأ عليّ القرآن» . قلت: أقرأ عليك وعليك أُنزل؟ قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري» . «أسمعه» يعني أسمع القرآن، فالقرآن مسموع، فالحديث متفق عليه.

وعن أبي موسى رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «يا أبا موسى لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة» . فقال: أما والله لو أعلم أنك تسمع لقراءتي لحبرتها لك تحبيرًا. يعني دققتها. رواه مسلم، والأحاديث في هذا الباب كثيرة.

(كَذَا بِالاَبْصَارِ إِلَيْهِ يُنْظَرُ) ، (كَذَا) أي مثل ذا الذي ذُكِرَ سابقًا (بِالاَبْصَارِ) بتسهيل الهمزة للوزن، جمع بصر، والبصر يقال للجارحة الناظرة وللقوة التي فيها، يعني: مراد به البصر الذي هو بصر الإنسان، (إِلَيْهِ يُنْظَرُ) ، (بِالاَبْصَارِ إِلَيْهِ يُنْظَرُ) كذا ينظر إليه بالأبصار، (بِالاَبْصَارِ) جار ومجرور متعلق بقوله: (يُنْظَرُ) . و (إِلَيْهِ) جار ومجرور متعلق بماذا؟ بينظر كذلك، أي إلى القرآن، ينظر إلى القرآن في المصحف.

قال الشارح عندكم: وهو من أفضل العبادات وأجلها. كونه عبادة يُتعبد لله تعالى بها لا إشكال فيه، لكن كونه من أجل العبادة تحتاج إلى دليل خاص، وروى أبو عبيد بإسناد فيه ضعف عن بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «فضل قراءة القرآن نظرًا على من يقرأه ظهرًا كفضل الفريضة على النافلة» . لكنه حديث ضعيف.

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: أديموا النظر في المصحف. هذا ثبت عنه.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان إذا دخل يعني: بيته، نشر المصحف فقرأ فيه. نشر يعني فتح المصحف. وكان ابن مسعود رضي الله عنه إذا اجتمع إليه إخوانه نشروا المصحف فقرؤوا وفسر لهم. إذًا ثابت عن الصحابة أنهم كانوا يفتحون المصاحف فيقرؤون، فليست القراءة دائمًا تكون ماذا؟ عن ظهر غيب، والأحسن هنا أن يُفَصّل أيهما أفضل ما كان الإنسان فيه حاضر القلب فهو أفضل باعتباره، إن كان الاعتبار عنده من حيث حضور القلب والخشوع في الغيب حينئذٍ يكون مقدمًا، فليس ثَمَّ قاعدة مطردة هنا.

قال هنا: وذهب كثير من السلف أن قراءة القرآن في المصحف أفضل من على ظهر، لأنه يشتمل على التلاوة والنظر في المصحف، وكرهوا أن يمضي على الرجل يومان لا ينظر في مصحفه. وكما ذكرنا فيما سبق، يعني كونه النظر إلى المصحف عبادة من أجل العبادات يحتاج إلى دليل خاص، والحديث الذي ذكره المصنف حديث ضعيف، حينئذٍ أيهما أفضل ليس عندنا قاعدة مطردة، وإنما المراد أن قراءة القرآن ما يكون فيه حضور القلب، فإذا كان يحضر قلبه عند نشر المصحف وفتحه فهو أولى من ظهر القلب، وإذا كان العكس فهو أفضل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت