وفي خطبته - صلى الله عليه وسلم - في موقف الحج الأكبر قال - صلى الله عليه وسلم: «وأنتم تُسْأَلُون عني فما أنتم قائلون» ؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت. يعني بلغت ماذا؟ الرسالة، وَأَدَّيْتَ ونصحتَ. أدّيت الأمانة، وليس ثَمَّ أمانة إلا تبليغ الرسالة، وفيه إشارته - صلى الله عليه وسلم - بيده إلى السماء قال: «اللهم هل بلغت اللهم اشهد» . قالها مرارًا، وغير ذلك من الأحاديث يُخبر - صلى الله عليه وسلم - أنه مُخْبِرٌ عن الله ومُبَلِّغ رسالته، وأن ما أمر به ونهى عنه وأخبر به هو تبليغ لأمر الله تعالى ونهيه وخبره، وأنه لم يقل شيئًا من عنده نفسه، فيقول: هو من عند الله، ومن أعتقد أنه من عند النبي - صلى الله عليه وسلم - من قِبل النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو كافر مُكَذِّبٌ للقرآن من حزب أبي جهل والوليد بن المغيرة. قال الله عز وجل: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ * وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ * وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ * وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الحاقة: 45 - 52] . قال: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ} وإن قل ... {الْأَقَاوِيلِ} رتب عليه العقاب المذكور هنا، (لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ ولا بِمُفْتَرَى) هذا نفي لصفتين قد ألحقها بعض أهل البدع بالقرآن، (لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ) لأنه صفة لله تعالى، ثبت أنه صفة، هل نحتاج أن ننص على أنه ليس بمخلوق؟ الجواب: لا، وإنما هذا يقال في مقام الرد على المخالف، فإن القرآن كلام الله. انتهى. فلا نحتاج أن نقول ماذا؟ أنه ليس بمخلوق، لأنك إذا قلت كلام الله، يعني صفة، هل شيء من صفات الباري جل وعلا مخلوق؟ الجواب: لا، حينئذٍ يتعين أن يكون صفة له، والصفة تابعة للموصوف، (لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ) يعني ليس القرآن بمخلوق كما يقول الجهمية والمعتزلة وغيرهم تعالى الله عز وجل عن أن يكون شيئًا من صفاته مخلوقًا، إذًا القرآن ليس بمخلوق، لماذا؟ لأن القرآن من كلام الله، وكلام الله صفة له جل وعلا، وليس شيء من صفات الباري جل وعلا مخلوقًا، واضح الدليل؟ فإنه لا يُعقل متكلِّم إلا من قام به الكلام، لأنك إذا قلت: ليس عندنا إلا خالق ومخلوق أو لا؟ إذا قلت: بأن الكلام من القسم الثاني، نفيت الكلام أو لا؟ نفيت، لكن عندنا قاعدة إذا قيل كلام الله فصفته حينئذٍ قائمة به كما تقول: زَيْدٌ مُتَكَلِّم، زَيْدٌ قَائِم. إذًا هذه الصفة قائمة به، يعني ذات متصفة بصفة القيام، كذلك لو تكلم حينئذٍ نقول: هل يمكن أن تكون هذه الذات متصفة بغير صفة الكلام مع كونه متكلمًا؟ الجواب: لا، ولذلك قال هنا: فإنه لا يعقل متكلم إلا من قام به الكلام إلا على قول الجهمية والمعتزلة فلا التفات إليهم، وأما عند أهل السنة والجماعة وكذلك اتفاق أهل اللغة أنه لا يشتق عند انعدام الوصف البتة، ولذلك قال هناك:
وعند فقد الوصف لا يشتق ... وأعوز المعتزلي الحق