الصفحة 272 من 439

هذا قول من؟ قول ابن مالك، وإنما يضاف إليّ مثلًا من باب أنني بلغتكم إياه، وأما الإنشاء والابتداء الذي ابتدأ الكلام هو ابن مالك رحمه الله تعالى، فكل من حكا كلام غيره حينئذٍ يكون مُبَلِّغًا ولا يكون مُنْشِئًا مبتدِئًا للكلام، كذلك كلام الباري جل وعلا، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لما أضيف إليه هنا {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ} تبليغ، ولذلك الآية السابقة وهي أصلٌ في هذا الباب عند كثير ماذا؟ {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ} [التوبة: 6] . ولا أعني الأصل بالأصل السابق وإنما أنه الذي يُبنى عليه مسائل، يعني يشتق منه مسائل كثيرة {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ} أي إذًا نسبه إلى مَنْ؟ إلى الله عز وجل، من الذي يتكلم هنا؟ النبي - صلى الله عليه وسلم - مُبَلِّغ، والمسموع هو كلام الباري جل وعلا، إذًا إضافته إليه إضافة تبليغٍ لا إضافةُ إنشاءٍ وابتداء، فإنه قال: {قَوْلُ رَسُولٍ} ولم يقل قول ملكٍ ولا نبيٍ، فإنا لرسول يبلغ كلام مرسله هذا هو الظاهر، والأصل كما بين تعالى بقوله: {تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} ... [الحاقة: 43] ، وقال: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: 1] ، وقال تعالى: {الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ} [الرحمن: 1، 2] ، وقال تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ} ... [يوسف: 3] ، وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا} [الشورى: 52] . وأيضًا قوله: {الْأَمِينُ} دليلٌ على أنه لا يزيد ولا يُنقص هذا شأن الأمين، بل هو أمينٌ على ما أرسل به يبلغه عن مرسله، وأيضًا فإن الله تعالى كَفَّرَ من جعله قول البشر، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - بشر، إذًا ليس الكلام إليه، إنما هو إضافة تبليغ فحسب، فمن جعله قول محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - بمعنى أن محمدًا أو غيره أنشأه فقد كفر، وما ذكر الله في القرآن عن موسى عليه السلام وغيره، وعن فرعون وإبليس، فإن ذلك الكلام كلام الله إخبارًا عنه، وكلام موسى وغيره من المخلوقين مخلوق، يعني إذا حكى الله تعالى عن موسى أنه قال كيت وكيت، الكلام الذي نسمعه كلام الباري جل وعلا، وأما المقول الْمُحْكَى هذا كلام موسى، ونحن إذا سمعنا نسمع ماذا؟ {إِذْ قَالَ مُوسَى} [النمل: 7] ، نسمع كلام موسى بعينه، أو إخبارًا عن قول موسى؟ إخبارًا عن قول موسى، من المخبر؟ الله عز وجل، إذًا الكلام إليه، كلام منسوب إليه، والقرآن كلام الله لا كلامهم، والقرآن كله من فاتحته إلى خاتمته يشهد بأنه كلام الله وتنزيله وقصصه وتعليمه وألفاظه ومعانيه وإيجازه وإعجازه يُرشد أنه كلام الخالق عز وجل وصفته، وأنه لا يستطيع البشر الإتيان بسورة من مثله، وأما قولهم فيه سحر وشعر وكِهَانة وغير ذلك فهو من مفترياتهم، إنما قاله عنادًا ومكابرةً، وإلا فقد استيقنوا أنه لا يدخل تحت طوق أحدٍ من البشر، وهذا يقينًا، وإن تحداهم الله تعالى أن يأتوا بسورة بحديث مثله بعشر سور مفتريات ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت