الذي هو الحقيقة استحال، يعني تعذر ينطلق إلى المجازِ، أما قبل ذلك فلا، صفات الباري جل وعلا كلها لا يستحيل حملها على حقائقها، ولذلك هذا الذي فهمه الصحابة رضي الله تعالى عنهم وإلى يومنا أئمة السنة يُقَرِّرون بأن آيات الصفات ليست من قبيل المجاز، وهذا إجماع، وإذا كان كذلك فحَمْلُ هذا اللفظ على المجاز هذا مخالف للإجماع، وهو خلاف في أصل، إذًا كلامه جل وعلا نقول: حقيقةً وليس مجازًا، كلامه جل وعلا حقيقةً حروفه ومعانيه، ليس كلامه الحروف دون المعاني ولا المعاني دون الحروف، هذا يذكره أهل السنة وإن كان في لسان العرب لا يُفهم من الكلام إلا ما كان اسمًا لمسمى وهو ما اجتمع فيه الحروف والمعنى، لكن لما وُجِدَ من أهل البدع من يقول بأن المعاني هي الكلام والحروف ليست داخلةً في مسمى الكلام نص أهل السنة والجماعة، وإلا هذا من الأمور المقررة عند العقلاء وعند أرباب اللسان بأنه إذا قيل الكلام اسم لمسمى، هذا المسمى حرف لفظ ومعنى، فليس مسمى الكلام الحرف دون المعنى، وليس مسمى الكلام المعنى دون الحرف، لكن لما قيل به من أرباب البدع حينئذٍ ناسب أن ينص أهل السنة ردًّا على هذا القول بأن كلام الباري جل وعلا هو مسماه اللفظ والمعنى معًا، كما أن الإنسان مسماه البدن والروح معًا، فليس الإنسان هو البدن فقط هذا خطأ، وليس الإنسان هو الروح فقط بل مركب من شيئين: بدن، وروح. كذلك كلام الباري جل وعلا وكلام الناس عمومًا كل متكلم من بني آدم كلامه هو اللفظ والمعنى معًا، إذًا كلامه حقيقة حروف ومعانيه وهذا لا يختلف فيه أحد من أهل اللسان، ولذلك إذا جاؤوا يعرفون الكلام في كتب النحو ماذا يقولون؟ الكلام هو اللفظ المركب المفيد لفظ مفيد، ما معنى مفيد؟ ما معنى لفظ؟ إذًا لا بد من لفظ ومعنى، إن وُجِدَ اللفظ دون الإفادة فليس بكلام، وإذا وُجِدَت الإفادة دون اللفظ ليس بكلام، إذًا [مسمى اللفظ] [1] مسمى الكلام هو اللفظ والمعنى معًا، ليس كلامه الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف. قال الله تعالى، ما الدليل على أن القرآن كلام الباري؟ هل جاء إطلاقه في الكتاب؟ نقول: نعم، جاء إطلاقه في الكتاب، قال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: 6] . إذًا {كَلَامَ اللَّهِ} ، {يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} ، وما الذي تلاه النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ القرآن، إذًا القرآن كلام الله، {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ} ، يعني وإن استجارك أحد من المشركين، {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} حينئذٍ يكون كلام الله مسموعًا، ولا يكون كذلك إلا إذا كان بحرف، وقال: {يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ} [الفتح: 15] .
(1) سبق.