الصفحة 254 من 439

تسعون وجهًا بينت بطلان ... أعني كلام النفي بالبطلان

قال بعض العلماء من زعم أن كلام الله هو المعنى النفسي. يعني ليس بلفظٍ ولا صوت ولا حرف وإنما هو حديث نفسٍ، من زعم أن كلام الله هو المعنى النفسي فقد زعم أن الله لم يرسل رسولًا ولم ينزل كتابًا. - وهو كذلك - فقال: من زعم أن كلام الله هو المعنى النفسي فقد زعم أن الله أخرس لا يتكلم. وقال ابن حجر رحمه الله تعالى في (( شرح البخاري ) ): ومن نفى الصوت فقد زعم أن الله لم يُسمع أحدًا من ملائكته ولا رسله كلامًا بل ألهمهم إياه إلهامًا. وهذه حسنةٌ من حسنات ابن حجر رحمه الله تعالى مع أنه يُحْسَبُ على الأشاعرة لكنه يخالفهم في كثير من المسائل.

وفيها الرد على من زعم أن كلام الله هو معنًى قائمٌ بذاته لا يتجزأ ولا يتبعض، عند الأشاعرة وعند أهل السنة كذلك، تذكر المسألة:

هل كلام الله تنوع أم لا؟

وهل كلام الله تعالى يتبعض أم لا؟

يعني هل هو شيءٌ واحدٌ؟

قال: فإن الأمر لو كان كما زعموا لكان موسى عليه السلام سمع جميع كلامه، موسى لما سمع كلام الله سمع كل ما تكلم الله تعالى به أو بعضه؟ بعضه، إذًا أثبت التجزؤ لو قلت: بأنه لا يتجزأ معناه كل كلام الله سمعه موسى في تلك اللحظة وهذا باطل. إذًا هو يتجزأ ولا شك في ذلك، فهو قد سمع بعضه. وفيها الرد على من زعم أن كلام الله مخلوق فإن صفات الله داخلةٌ في مسمى اسمه فليس الله اسمًا لذاتٍ لا سمع لها ولا بصر ولا حياة ولا كلام لها، فكلامه وعلمه وحياته وقدرته داخلةٌ في مسمى اسمه، فهو سبحانه بصفاته الخالق وما سواه المخلوق، وفي إثبات الكلام إثبات الرسالة، فإذا انتفت صفة الكلام انتفت صفة الرسالة، إذ حقيقة الرسالة تبليغ كلام المرسِل، ومنها هنا قال السلف: من أنكر كون الله متكلمًا فقد أنكر رسالة الرسل كلهم، والرب سبحانه يخلق بقوله وبكلامه كما قال: {إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82] . فإذا انتفت حقيقة الكلام عنه فقد انتفى الخلق.

وقول المصنف: (كَلَّمَ) . أي الله عز وجل فالله فاعل والكلام واقعٌ منه (كَلَّمَ) الله. الله فاعل (كَلَّمَ) فعلٌ ماضي، (مُوسَى) مفعولٌ به (عَبْدَهُ) بالنصب عطف بيان أو بدل لموسى عليه السلام، وهذا الذي يدل على أنه فاعل (تَكْليِمَا) مصدر مؤكد ينفي احتمال المجاز، وكلام الله لموسى كلامٌ حقيقيٌ بحرفٍ وصوتٍ سمع.

وقوله: (وَلَمْ يَزَلْ) أي لا يزال متصفًا بهذا الوصف، والصفة ذاتية لا يزال أي لا يزال متصفًا بهذا الوصف، والصفة ذاتية (بِخَلْقِهِ) أي مخلوقاته مصدر مرادٌ به اسم المفعول، وأضيف إلى الضمير فيعم أي مخلوقاته. مفرد مضاف فيعم ظرفٌ متعلقٌ بما بعده (عَلِيمَا) خبر يزال، وقد سبق بيان هذا الوصف في قوله:

وَعِلْمُهُ بِمَا بَدَا وَمَا خَفِي ... أحَاطَ عِلْما بالْجَليِّ وَالْخَفِي

(وَلَمْ يَزَلْ) هو اسم يزال ضمير يعود على الباري، (عَلِيمَا) هذا خبر يزال (بِخَلْقِهِ) جار ومجرور متعلق بـ (عَلِيمَا) .

ثم قال المصنف رحمه الله تعالى:

كَلاَمُهُ جَلَّ عَنِ الإِحْصَاءِ ... وَالحَصْرِ وَالنَّفَادِ وَالْفَنَاءِ

لَوْ صَارَ أَقلاَمًا جَميعُ الشَّجَرِ ... وَالبَحْرُ تُلقَى فِيهِ سَبْعُ أبْحُرِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت