-باعتبار المستمع المتلقي، الأول بلا واسطةٍ مباشرةً، يسمعه مباشرةً بأذنه موسى عليه السلام سمع صوت الباري جل وعلا، وأهل الجنة بأسماعهم بأذانهم حقيقةً يسمعون كلام الباري جل وعلا وتسليمه عليهم، بلا واسطة كما كلم موسى بن عمران، وكما كلم الأبوين، وكما نادى نبينا - صلى الله عليه وسلم - ليلة الإسراء. الثاني: تكليمه سبحانه لعباده بواسطةٍ، وهذا أكثر ما كان من شأن الرسل عليهم الصلاة والسلام، تكليم سبحانه لعباده بواسطةٍ إما بالوحي الخاص للأنبياء، وإما بإرساله إليهم رسولًا يكلمهم من أمره بما شاء، وفي الآيات المتقدمة أيضًا دليلٌ على أن الكلام المضاف إليه سبحانه وتعالى من صفاته الذاتية من حيث تعلقها بذاته واتصافه بها كما سبق، ومن صفاته الفعلية حيث كانت متعلقةً بقدرته ومشيئته.
إذًا [الكلام لها أو] صفة الكلام له اعتباران:
-باعتباره هي صفةٌ ذاتية.
-وباعتباره هي صفةٌ فعلية.
إذ الصفات منقسمة في نوعين بالاستقراء والتتبع، إما صفة ذاتية يعني: لا تتعدَّى الذات، وإما صفةٌ فعلية.
الذاتية تكون باعتبار الذات وهي لازمةٌ له لا ينفك عنها في وقتٍ من الأوقات.
وأما الفعلية، لا، ينفك عنها في وقتٍ من الأوقات باعتبار الآحاد.
وأفادت هذه الآيات إثبات صفة الكلام لله وأنه نادى وناجى، وقد جاء النداء في تسع آياتٍ من القرآن، لو جاءت آية واحدة كفت في صفة النداء لا نحتاج إلى التكرار والتعدد، ولكن نستفيد ينبغي هذا أن نقول نستفيد من هذا التكرار في تسع مواضع أن دلالة اللفظ دلالةٌ قطعية - وانتبه - لتنزيل مصطلحات الأصوليين على مثل هذه الآيات فلا يلتبس عليك الأمر.
إذًا جاء النداء في تسع آياتٍ من القرآن، وكذلك النجاة جاء في عدة آياتٍ، النداء هو الصوت الرفيع نعم، وضده النجاء ففيها إثبات أن الله يتكلم بحرفٍ وصوتٍ يليق بجلاله، إذ لا يعقل النداء والنجاء إلا ما كان حرفًا وصوتًا لأنه نوعٌ من الكلام، وإذا كان نوعًا من الكلام لا بد من حرفٍ وصوتٍ، وقد استفاضت الآثار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة السنة لذلك، وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في (( النونية ) ):
والله قد نادى الكليم وقبله ... سمع الندا في الجنة الأبوانِ
وأتى الندا في تسع آياتٍ له ... وصفًا فراجعها من القرآن
إلى أن قال:
أيصح في عقلٍ وفي نقل ندا ... ءٌ ليس مسموعًا لنا بأذانِ
لا يصح، لا يصح نداءٌ لا في العقل ولا ما قرره أئمة اللغة نداءٌ بلا صوت، ولا يكون مسموعًا {يَا مُوسَى} هذا لا يمكن أن لا يكون مسموعًا لموسى، ما الفائدة؟ لا فائدة فيه البتة.
أيصح في عقلٍ وفي نقل ندا ... ءٌ ليس مسموعًا لنا بأذانِ
أم أجمع العلماء والعقلاء من ... أهل اللسان وأهل كل لسان
إن الندى صوتٌ رفيعٌ وضده ... فهو النجاء كلاهما صوتان
وفي هذه الآيات أيضًا الرد على من زعم أن كلام الله هو المعنى النفسي، إذ المعنى المجرد لا يسمع، المعنى النفسي يعني حديث النفسِ، شيءٌ يقرره في نفسه دون حرفٍ وصوتٍ، وأوَّل الأشاعرة وغيرهم الكلام وآيات الكلام السابقة كلها نزلوها على معنى النفسي وهذا باطلٌ. وقد رد الشيخ تقي الدين على من زعم ذلك من تسعين وجهًا. قال ابن القيم: