الصفحة 249 من 439

وفيه في باب كلام الرب عز وجل مع أهل الجنة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة» . نداء «فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك. فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب وأي شيءٍ أفضل من ذلك؟ فيقول أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا» . هذا محادثة، سؤال وجواب، وكلها جمل، وكل جملة مؤلفة من مبتدأ وجبر وفعل وفاعل فهي ألفاظٌ، والألفاظ تستلزم الصوت والحروف، وهذه الآيات والأحاديث مما ذكرنا ومما لم نذكر كلها شاهدةٌ بأن الله تعالى لم يزل متكلِّمًا بمشيئته وإرادته، وتواطُؤها وتوافقها على هذه المعاني يجعلها قطعية الدلالة، فكلّ من حرَّف لفظٍ منها سواء كان الكلام أو المناداة حينئذٍ نقول: هذا القرآن من أوله إلى آخره جاء فيه لفظ القول ولم يقيد، إذ لو كان المراد به النفس لقيده كما قيده في شأن المنافقين في سورة الحشر {وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ} [المجادلة: 8] حينئذٍ إذا أطلق القول لا يجوز تقيده البتة، لأنه لو كان المراد به الحديث النفسي - وليس مرادًا - لو كان المراد به لقيده ولو في موضعٍ واحد، ثم نحمل سائر النص على ذلك الموضع، لكن كونه يطلقه ويأتي في موضعٍ يتعلق بشأن المنافقين، وقد عبَّر بالقول الذي يكون في شأن المخلوق باللسان ويقيده بقوله: {فِي أَنفُسِهِمْ} بمعنى أنه لو لم يقيده بهذا القيد لحمل القول على اللفظ. قال: يعني بلفظٍ هذا الأصل فيه تكلم يعني، حينئذٍ إذا قال: قلت في نفسي زَوَّرْتُ في نفسي بمعنى ماذا؟ حديث النفس، لكن قال لوحدها لا تكفي فلا بد من تقيدها، حينئذٍ هذه الآيات وهذه الأحاديث كما نثبت بها الصفة - على ما مرّ - نثبت بتكرارها وتعددها مع عدم تقيدها في موضع واحد أنها قطعية الثبوت - انتبه لمسألة الدلالات هذه - لأن قلَّ من نَبَّه عليها، فحينئذٍ شاهدةٌ بأن الله تعالى لم يزل، إذا قيل لم يزل وأضيف إلى الباري جل وعلا دل على أنه صفةٌ لازمة، ولذلك المصنف نفسه قال ماذا هنا؟

كَلَّمَ مُوسَى عَبْدَهُ تَكْليِمَا ... وَلَمْ يَزَلْ بِخَلْقِهِ عَلِيمَا

فالعلم صفةٌ لازمة، بمعنى أنه لا يمكن محالٌ أن ينفك الباري جل وعلا عن صفة العلم في لحظةٍ من اللحظات، فحينئذٍ هذه صفةٌ أزلية باقية. قال هنا: لم يزل متكلمًا بمشيئته وإرادته. إذا قيل: بالمشيئة كل صفة عُلِّقَت بالمشيئة فهي صفةٌ فعلية يتكلم - وسيأتي أنها لازمة أنها ذاتية - يتكلم بما شاء كيف شاء متى شاء، هكذا ثلاث جمل يذكرها أهل السنة والجماعة:

يتكلم جل وعلا بما شاء، ما المراد بما شاء؟ يعني: باعتبار الموضوع من أمر، أو نهي، أو غير ذلك، كيف شاء على الكيفية والصفة التي يريدها سبحانه، مناداةً مناجاةً .. إلى آخره.

متى شاء هذا باعتبار الزمن. إذًا يتكلم بما شاء هذا باعتبار الموضوع، بما شاء، يعني: بأيّ موضوع شاءه جل وعلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت