كلامنا لفظ، قالوا: اللفظ هذا احترازًا عن ماذا؟ عن غير اللفظ فلا يُسمَّى كلامًا، حينئذٍ كل ما كان من معنى دل عليه غير اللفظ فليس بكلام في لسان العرب، لأنه لا بد أن يكون لفظًا بصوت وحرف، فإذا لم يكن كذلك فحينئذٍ لا يُسمَّى كلامًا، وإذا جاءوا في هذا المقام حرَّفُوا وبدَّلُوا وغيَّرُوا، {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} ، {رَبُّهُ} . فاعل أين المفعول؟ الضمير {كَلَّمَهُ} . لماذا بهت الذي كفر هناك؟ {كَلَّمَهُ رَبُّهُ} ما وجه الدلالة؛ لأن {رَبُّهُ} بالرفع ممكن وكلمهُ ربَهُ لا يتأتى هذا لأنه في لسان العرب لا يتصل الفاعل الضمير وإنما يتصل ماذا؟ المفعول به، يعني يتعذر بل محالٌ أن يكون الضمير في {كَلَّمَهُ} أن يكون فاعلًا بل هو مفعولٌ به، بل هو في محل نصب مفعولٌ به {وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} هذا من موسى عليه السلام. {قَالَ لَن تَرَانِي} ، {قَالَ} انتبه {قَالَ} قوله في لسان العرب لا يُطلق في أصلٍ وإن كان يحمل يستعمل لمعانٍ أخر في معنى الاعتقاد ونحو ذلك إلا أنه في أصله إنما يكون للفظ الدال على معنى، ولذلك في استعمال العرب القول والكلام إن لم يكونا مترادفين فـ كالمترادفين، وأما التفصيلات هذه تكون عند النحاة فاعتبار استعمالاتهم {قَالَ لَن تَرَانِي لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ * قَالَ يَا مُوسَى} [الأعراف: 143، 144] . نداء والنداء لا يكون إلا بحرفٍ وصوت، ولذلك النداء نوعٌ من أنواع الكلام باتفاق أهل العربية {قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ * وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} [الأعراف: 144، 145] هذه محادثة بين الباري جل وعلا وبين موسى عليه السلام فيها جمل، هذه الجمل تدل على أن الكلام مؤلفٌ من مسندٍ ومسندٍ إليه يعني مبتدأ وخبر وفعل وفاعل، وهذا لا يكون إلا بحرفٍ وصوتٍ، ولذلك قال: {لَن تَرَانِي} . {لَن تَرَانِي} هذه يسمى عندهم مقولة، أليس كذلك؟ يُسمَّى مقولة، وقال هو القول، وهذه الآية تدل على أن الكلام متعلقٌ لمشيئة الباري جل وعلا، لماذا؟ لأنه علقه بفعل موسى، وفعل موسى الذي هو المجيء مخلوق فدل على أنه حدث بعد أن لم يكن [معي] {وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ} إذًا قبل مجيء موسى للميقات كلمه؟ لا، ليس ثَمَّ كلام نقطع بهذا، لماذا؟ لأنه قيده وإذا كان مقيدًا بفعلٍ يتعلق بموسى عليه السلام دل ذلك على أنه لم يكن ثُمَّ كان، ومنها القاعدة عند أهل السنة والجماعة في باب صفة الكلام أنها أزلية النوع حادثة الآحاد، أزلية النوع.