لا إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، هذا إن كنتم مؤمنين إن لم تكونوا مؤمنين [قال هنا] إذًا الآية تدل على ماذا؟ على التقييد {إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} حينئذٍ يكون الرزق حلالًا، ولذلك قال هنا: {قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا} ، {هِيَ لِلَّذِينَ} تعريف الجزأين {هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} دل ذلك على أن المأكولات والمشروبات والملبوسات وجميعَ ما ينتفع به في الدنيا إنما هي من خصائص المؤمنين، فما كان كذلك وأخذه الكفار حينئذٍ يكون الحساب عليه.
قال السفاريني رحمه الله تعالى:
والرِّزق ما ينفع من حلال ... أو ضده فحُل عن المحال
لأنه رازق كل الخلق ... وليس مخلوق بغير [رَزق]
بغير رِزق، هكذا بعضهم ضبطها بالكسر، والأول أولى رَزق
والرِّزق ما ينفع من حلال ... أو ضده فحُل عن المحال
قال ابن مالك: والرِّزق ما ينفع، أي: المرتزق ينتفع بحصوله سواء كان ذلك المنتفع به من حلال وهو من حلت عنه التبعات ضد المحرم، أو ضده، أي ضد الحلال وهو الحرام، أي ما منع منه شرعًا إما لصفة في ذاته ظاهرة كالسّمِّ والخمر، أو خفيةً كالربا ومذكى المجوس وغيره، لأنه في حكم الميتة، وإما لخلل في تحصيله كالربا أو الغصب ونحو ذلك، إذًا سواء كان لذاته أو لوسيلته، المحرم قد يكون لذاته أو لوصفه بكسبه، حينئذٍ الرز في الأصل ماذا؟ يقال الأَرْزُ والرُّزُّ لغتان لا إشكال فيه، الأصل فيه ماذا؟ جواز البيع لكن قد يدخله ماذا؟ يدخله الربا، قال هنا: فكل ذلك رِزق لأن الله يسوقه للحيوان فيتغذى به.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: والرِّزق يراد به شيئان:
أحدهما: ما ينتفع به العبد.
والثاني: ما يملكه العبد.
ينتفع يملك انتبه، فهذا الثاني وهو ما يملكه العبد هو المذكور في قوله: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} أي مما يملك، وقوله: {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [المنافقون: 10] . وهذا مما يملكه العبد، وهذا هو الحلال الذي مَلَّكَهُ الله إياه، وأما ما كان بطريقه محرم فلا يمتكله البتة، فالكافر لا يمتلك شيء، والمسلم إذا حصل شيئًا بطريق محرم لا يمتلكه، إذًا هذا الذي عناه بهاتين الآيتين، قال هنا: وأما الأول يعني: ما ينتفع به العبد فهو المذكور في قوله: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} . وقوله - صلى الله عليه وسلم: «إن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها» . ونحو ذلك، والعبد قد يأكل الحلال والحرام فهو رزق بهذا الاعتبار لأنه ينتفع به، لا بالاعتبار الثاني لأنه لا يمتلكه وما اكتسبه ولم ينتفع به هو رزق بالاعتبار الثاني دون الأول، فإن هذا في الحقيقة مال وارثه لا ماله، والله أعلم.