وقول الناظم رحمه الله تعالى: (وَكُلُّنَا) أي معشر المخلوقات (وَكُلُّنَا مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِ) أي معشر المخلوقات، (مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِ) أفرده، (مُفْتَقِرٌ) فلم يقل مفتقرون هذا باعتبار لفظ كل، يجوز أن اعتبر المعنى يُعتبر ماذا؟ مفتقرون هذا ضمير، وعود الضمير على الكل قد يراد به اللفظ وقد يراد به المعنى، فيفرد إذا أرد به اللفظ ويجمع إذا أراد به المعنى. يقال: افتقر فهو مفتقرٌ وفقير، والفقير الذي لا شيء له، والمسكين مثله. قال ابن أعرابي: فرق بعضهم بين الفقير والمسكين. قيل: الفقر وجود الحاجة الضرورية وذلك عامٌ للإنسان ما دام في دار الدنيا، بل عامٌ للموجودات كلها، ويطلق على عدم المقتنيات كما في قوله: {لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ} [البقرة: 273] . على ما ذكره ابن تيمية رحمه الله تعالى، فكلنا أي: الخلق مفتقرٌ إلى خالقه لا غنى لنا عنه طرفة عين، فكما أن جميع المخلوقات مفتقرةٌ إليه تعالى في وجودها فلا وجود لها إلا به، فهي مفتقرةٌ إليه في قيامها، فلا قوام لها إلا به، فلا حركة ولا سكون إلا بإذنه تعالى، فهو الحي القيوم القائم بنفسه فلا يحتاج إلى شيء، القيم لغيره فلا قِوام لشيءٍ إلا به، فقال تعالى فيما رواه عنه رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضالٌ إلا من هديت فاستهدوني أهديكم، يا عبادي كلكم جائعٌ إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تُخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوي ضُرِّي فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على اتقى قلب رجلٍ واحدٍ منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحد ما نقص ذلك في ملكي شيئًا» . لكمال غناه «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحدٍ فسألوني فأعطيت كل إنسانٍ مسألته ما نقص ذلك من ما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أُدْخل البحر، ولو أن أولكم وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم» كما في بعض الروايات «اجتمعوا على أتقى قلب عبدٍ من عبادي ما زاد ذلك في ملكي جناح بعوض، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرًا فليحمد لله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» . رواه مسلم عن أبي ذرٍ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه. وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، عنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «يد الله ملى لا تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، أفرأيتم ما أنفق ربكم منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه» . فسبحانه من وسع خلقه بغناه وافتقر كل شيءٍ إليه، وهو الغني وعمَّا سواه {وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [لقمان: 12] .هكذا قال المصنف رحمه الله تعالى، ونقف عند هذا والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.