أو قال: قُرَشِيَّان وثَقَفِيٌّ كثيرة الشحم بطونهم قليلة الفهم قلوبهم فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟ قال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا. فسَّرها بالقول، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا. قاسه فأنزل الله تعالى: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ} .. الآية، وروى أبو داوود عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} .. إلى قوله تعالى: {سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 58] . قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه. يضع الإبهام في الأذن والتي تليها على عينه، يعني من باب تحقيق الصفة، وليس المراد التشبيه وليس المراد التمثيل، وإنما المراد تحقيق الصفة. قال أبو هريرة رضي الله عنه: رأيتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأها ويضع إصبعيه. وقول الناظم: (وَسَامِعٌ لِلْجَهْرِ) . (وَسَامِعٌ) أي الله تعالى وهذا خبر عنه تعالى تَعَلَّقَ به قوله: (لِلْجَهْرِ) . قلنا: سامع هذا خبر، لماذا؟ لأنه لم يرد هذا اللفظ، إنما الذي جاء معنا السميع وهو علم، أما سامع فليس اسمًا من أسماء الباري جل وعلا، ... (وَسَامِعٌ) هو أي الله عز وجل، (لِلْجَهْرِ) والجهر يُقال لظهور الشيء بإفراط حاسة البصر أو حاسة السمع، أما البصر فنحو: رأيته جِهَارًا، ظاهرًا بيِّنًا، ومنه قوله: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} [البقرة: 55] . وقوله: {أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} [النساء: 153] . شيئًا ظاهرًا بارزًا، وأما السمع فمنه قوله تعالى: {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ} [الرعد: 10] . وقوله: {وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} [طه: 7] . وقول الناظم: (وَالإِخفاتِ) . (وَسَامِعٌ لِلْجَهْرِ وَالإِخفاتِ) الإخفات مقابل للجهر، يقال: خَفِيَ الشيء خُفْيَةً استتر، الجهر الشيء الظاهر البارز، والإخفات الشيء المستتر، وأخفيته أوليته خَفَاءً وذلك إذا سترته، ويقابل به الإبداء والإعلان هذا الأصل فيه. قال تعالى: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا} [البقر: 271] . هنا قابل إن تبدوا تخفوا، {وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ} ، وقال: {وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ} [الممتحنة: 1] . يعني الإخفاء لا يقابل به الجهر، وإنما الذي يقابل به الجهر هو السِّرُّ، والجهر يقابل بماذا؟ بالسر، والإخفاء يقابل بماذا؟ بالإبداء والإعلان، فالذي يقابل به الجهر هو السر، هذا الذي في كتب اللغة، وقوله رحمه الله تعالى: (بِسَمْعِهِ الْوَاسِعِ لِلأَصْوَاتِ) . ... (بِسَمْعِهِ) جار ومجرور هذا متعلق السمع (بِسَمْعِهِ) سامع بسمعه، يعني من صفته بصفةٍ هي السمع، (الْوَاسِعِ لِلأَصْوَاتِ) الأصوات جمع صوت وهو عَرَضٌ مسموع. ثم قال رحمه الله تعالى:
وَعِلْمُهُ بِمَا بَدَا وَمَا خَفِي ... أحَاطَ عِلْمًا بالْجَليِّ وَالْخَفِي