قال الخطابي: {السَّمِيعُ} بمعنى السامع إلا أنه أبلغ بالصفة، كالقدير بمعنى القادر إلا أن القدير أبلغ بالصفة لأنه على زنة مبالغة، إلا أنه أبلغ بالصفة وبناؤه فَعِيل بناء المبالغة كقولهم: عليم من عالم، وقدير من قادر، وهو الذي يسمع السِّرَّ والنَّجْوَى سواء عنده الجهر والخفوت يعني يستوي، والنطق والسكوت، وقد يكون السمع بمعنى القبول والإجابة كقول النبي - صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ بك من قول لا يُسمع» . يعني من دعاء لا يُستجاب، أليس كذلك؟ «من قول لا يسمع» . يعني كأنه يسمع بعض الدعاء وبعض الدعاء لا يسمعه، هل المراد بالسمع هنا إدراك المسموعات؟ الجواب: لا، لأنك لو فسرته بهذا المعنى من دعاء لا يُسمع، يعني بعض الدعاء يسمع وبعضه لا يسمع، وليس هذا المراد، وإنما المراد القبول والإجابة لأن هذا شأن الدعاء بعضه يقبل ويجاب وبعضه لا يقبل مع كونه قد أدركه سمعه الباري جل وعلا، أي من دعاء لا يُستجاب، ومن هذا قول المصلي سمع الله لمن حمده، المصلي سواء كان منفردًا أو إمامًا أو مأمومًا على الصحيح، ومن هذا قول المصلي: سمع الله لمن حمده. معناه قبل الله حمد من حمده. قال ابن القيم في (( البدائع ) )رحمه الله تعالى: فِعْلُ السمع يراد به أربعة معاني مطلقًا:
أحدها: سمع إدراك. أو ما يتعلق بالمسموعات، ولذا قال: ومتعلقه الأصوات. يعني الصوت يُسمع، إذًا الأول سمع إدراك ومتعلقه الأصوات.
الثاني: سمع فَهْمٍ وعَقْلٍ، ومتعلقه المعاني.
الثالث: سَمْعُ إجابة وعطاء ما سئل.
[رابعًا أو] الرابع: سَمْع قبول وانقياد.
هذه أربعة معانٍ، فمن الأول قال رحمه الله:
فمن الأول يعني سمع إدراك، قوله الله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} . {قَوْلَ} لأنه صوت، {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا} [آل عمران: 181] ، {قَوْلَ} ، إذًا هذا سمع إدراك.
ومن الثاني الذي هو سمع فهم وعقل: {لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا} [البقرة: 104] ليس المراد سمع مجرد الكلام، بل سمع الفهم والعقل. هكذا قال ابن القيم، ومنه {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} .
ومن الثالث: وهو سمع إجابة وعطاء ما سئل، سمع الله لمن حمده، وفي الدعاء المأثور «اللهم اسمع» . أي أجب «وأعطي ما سألت» .
ومن الرابع: الذي هو الانقياد، ومن الرابع قوله تعالى: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} . أي قابلون له ومنقادون غير منكرين، ومنه على أصح القولين {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} [التوبة: 47] ، أي قابلون ومنقادون. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
قال في النونية:
وهو السميع يسمع ويرى كل ما ... في الكون من سر ومن إعلان
ولكل صوت منه سمع حاضر ... فالسر والإعلان مستويانِ
والسمع منه واسع الأصوات لا ... يخفى عليه بعيدها والدانِي
دل البيت على إثبات صفة السمع لله تعالى على ما يليق بجلاله من غير تمثيل ولا تعطيل ولا تكييف وهي صفة ذاتية.