(وَسَامِعٌ) في هذا البيت إثبات صفة السمع لله تعالى المحيط بجميع المسموعات، كما دل عليه اسمه السميع، ودائمًا يأتي الاقتران بين الاسمين، {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} ، والسمع للإنسان وغيره حِسّ الأذن، أو ما وَقَرَ في الأذن من شيء تسمعه، وقيل: لو قيل السمع هو السمع لكان أولى وأحرى، يعني ما كان معلومًا بيِّنًا واضحًا لا يحتاج إلى تعريف، لا يحتاج أن يقال هو كذا وكذا، وإنما يقال السمع هو السمع، ولذلك ابن القيم رحمه الله تعالى لما أورد لعله في (( مدارج السالكين ) )تعريف المحبة محبة الله عز وجل أورد نحوًا من عشرين قولًا ثم قال: المحبة هي المحبة. أحسن تعريف أن يقال: المحبة هي المحبة. فالسمع هو السمع، والبصر هو البصر، والعلم هو العلم، فلا يحتاج إلى تعريف لأنها من الواضحات الْبَيِّنَات، ورجل سميع، أي سَامِعٌ، بمعنى فَاعل، والسَّمِيع على وزن فَعِيل من أبنية المبالغة.
قال الزجاج: ويجِيء في كلامهم سمع بمعنى أجاب. السميع الذي هو من السمع هو إدراك المسموعات، ويأتي سَمِعَ على وزن فَعِلَ بمعنى أجاب، حينئذٍ يحمل على المعنيين، هذه قاعدة عامة في باب الأسماء والصفات، وورد اسمه السميع في القرآن خمسًا وأربعين مرة، منها قوله تعالى: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} . هذا في التنصيص السميع، وجاء الوصف دون اسم، أو يمكن أن تقول: جاء التصريح بمدلول الاسم، قال الله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ} [المجادلة: 1] . سَمِعَ دَلَّ على ماذا؟ على صفة السّمع، لكن هل يُشْتَقُّ من سمع اسم؟ مر معنا، هل يشتق من سمع اسم فيقال السميع؟ الجواب: لا، إذا لم يرد النص كما جاء {وَهُوَ السَّمِيعُ} حينئذٍ لا يجوز أن نشتق من الأفعال أسماء، نعم يُشتق من الأسماء صفات، لكن لا يشتق من الأفعال الدالة على الصفات أسماء، يعني من غير عكس. فتقول: السميع دل على صفة السمع، والسميع هذا عَلَمٌ واسم للباري جل وعلا، والسَّمْعُ صفته، لكن {قَدْ سَمِعَ} يسمع يقال: دل على صفة السمع لكن لا نشتق منهما اسمًا فنقول: السميع. يظهر ذلك في الكلام {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى} [النساء: 164] كَلَّمَ مثل سمع، دل على صفة الكلام، لا نقول: المتكلم. لأنه لم يرد إلا من باب الإخبار على قولٍ. إذًا {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ} انظر جاء بالفعلين، فعل الماضي والفعل المضارع، {وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} جاء ثلاث مرات في آية واحدة بالفعل الماضي والفعل المضارع وجاء بالاسم سميع.
قال ابن جرير: وقوله: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} . يقول جل ثناؤه واصفًا نفسه بما هو به، وهو يعني نفسه، السميع لما تنطق به خلقه من قول. يعني السميع لأقوال عباده كما قال ابن كثير، {السَّمِيعُ} يعني السميع لأقوال عباده، ونص على ذلك ابن كثير.