الصفحة 209 من 439

(يَرَى) .وهذا فعل مضارع يرى، والفاعل يعود إلى الباري جل وعلا، (دَبِيبَ) هذا المفعول به، وهو مضاف، (الذَرِّ) مضاف إليه، (دَبِيبَ الذَرِّ) يقال: دَبَّ يَدِّبُّ بالكسر دَبًّا وَدَبِيبًا، وكل ماشي على الأرض دابة، (يَرَى دَبِيبَ الذَرِّ) يعني مشي الذّر، والذّر جمع ذرة، وهي أصغر النمل، ومنه سمي الرجل ذرًّا، وكني بأبي ذر، (في الظُّلُمَاتِ) جمع ظلمة ضد النور معلومة، وضم اللام لغةً ظُلْمَة وظُلُمَة يجوز فيه الوجهان، لكن الأشهر الإسكان، وجمع الظُّلْمة ظُلَمٌ وَظُلُمَات بضم الظاء واللام وظُلَمَات بفتح اللام وظُلْمَات يعني يجوز فيه ثلاثة أوجه، ظُلُمات وظُلَمات وظُلْمات ثلاثة أوجه [بضم] اللام وفتحها وسكونها، (فَوْقَ صُمِّ الصَّخْرِ) من إضافة الصفة إلى الموصوف، يعني الصخر الأصم يقال: حجر أصم. أي صلب مُصْمَتٌ. قال ابن السعدي رحمه الله تعالى: البصير الذي يُبصر كل شيء وإن رق وصَغُرَ. لذا قال: (دَبِيبَ الذَرِّ) . فيُبصر دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء، ويُبصر ما تحت الأراضين السبع كما يصبر ما فوق السماوات السبع، يعني في عموم البصر، فيُبصر كل شيء جل وعلا، دل هذا البيت على إثبات صفة البصر لله تعالى على ما يليق به من غير تمثيل ولا تعطيل ولا تكييف، لأنه وصف نفسه بذلك {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} فإذا وصف نفسه حينئذٍ هو أعلم بنفسه، وهي صفة ذاتية من صفات الكمال، فالمتصف بها أكمل ممن لا يتصف بها. قال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ} [الأنعام: 50] . إذًا لا يستويان، الأعمى فيه نقص، والبصير فيه كمال، وهذا في شأن من؟ في شأن المخلوق، ففي الخالق من باب أولى وأحرى، وقد أنكر إبراهيم الخليل عليه السلام على أبيه عبادته ما لا يُبْصِرُ ولا يسمع فقال تعالى: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ} يعني إبراهيم، {يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} [مريم: 42] . دل على أن الباري جل وعلا متصف بهذه الصفات الثلاث. وقال تعالي في شأن عباد الأصنام لَمَّا أراد أن يبين عَوَرَهَا قال: {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ} [الأعراف: 195] .

وَسَامِعٌ لِلْجَهْرِ وَالإِخفاتِ ... بِسَمْعِهِ الْوَاسِعِ لِلأَصْوَاتِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت