كل ذلك من المعيَّتَيْنِ العامة والخاصة (لَمْ يَنْفِ لِلْعُلُوِّ) يعني لا ينفي إثبات صفة العلو للباري جل وعلا، والمراد بالعلو هنا العلو الذاتي، وأما العلو هذا لا خلاف فيه على التسليم على ما قاله المصنف رحمه الله تعالى، كل ذلك (لَمْ يَنْفِ لِلْعُلُوِّ) بعض النسخ لَمْ يَنْفِ الْعُلُوَّ بدون اللام والظاهر أنها باللام، (لَمْ يَنْفِ لِلْعُلُوِّ) المذكور في النسخ السابقة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة من أنه تعالى مستوٍ على عرشه بائن من خلقه {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} ، {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} ، {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ} [السجدة: 5] ، (وَالْفَوْقِيةْ) عطف على العلو وهو رديفه في المعنى، أي: ولم ينفِ قوله عز وجل {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} ، وقوله: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50] فما دل عليه فوق هو الذي دل عليه لفظ العلو (لَمْ يَنْفِ لِلْعُلُوِّ وَالْفَوْقِيةْ) وهما بمعنى واحد، وقوله النبي - صلى الله عليه وسلم: «والله فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه» . الحديث فيه كلام، بل كل ذلك حق على حقيقته ولا منافاة بين قربه عز وجل وبين علوه، فإنه العلي في دنوه [نعم] .
فَإِنَّهُ الْعليُّ في دُنُوِّهِ ... وَهُوَ الْقَريِبُ جَلَّ في عُلُوِّهِ
فإنه هو العلي المتصف بجميع معاني العلو ذاتًا وقهرًا وشأنًا في دنوه، دنو القرب كما مر معنا فهو جميع ما بين الوصفين، فيدنو يعني يقرب الباري جل وعلا من خلقه كيف شاء، لو جعلت تنافيًا بينهما نقول: التنافي فرع التكييف، متى يحصل التعارض بين الجمع بين العلو الذاتي والمعية الخاصة أو القرب من عبده نقول متى؟ إذا كَيَّفَ إذا استحضر في ذهنه كيفية ما حينئذٍ جاء التعارض، وأما إذا لم يكيف حينئذٍ نسلم بكل، وينزل إلى السماء الدنيا في آخر كل ليلة وعشية عرفة وغير ذلك كيف شاء، ويأتي لفصل القضاء بين عباده كيف شاء، وليس ذلك منافيًا فوقيته فوق عباده واستوائه على عرشه فإنه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} .